الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وبدأ بالفرض لشرفه فقال ( فرائض الوضوء ) جمع فريضة بمعنى مفروضة ، والوضوء بضم الواو الفعل وبفتحها الماء على المعروف لغة وحكي الضم والفتح فيهما وهل هو اسم للماء المطلق مطلقا أو بعد كونه معدا للوضوء أو بعد كونه مستعملا فيه والمصنف ذكرها سبعة فقط وقدم الأربعة المجمع عليها وأخر المختلف فيها والأولى غسل جميع الوجه وحده طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن أو اللحية وعرضا ما بين وتدي الأذنين وإليه أشار بقوله ( غسل ما بين ) وتدي ( الأذنين ) فكلامه على حذف مضاف فخرج شعر الصدغين والبياض الذي بينه وبين الأذن مما فوق الوتد لأنهما من الرأس ، وأما البياض الذي بين عظم الصدغين والوتد فهو من الوجه وكذا البياض الذي تحت الوتد ولو من الملتحي فيجب غسله على الأرجح وأشار إلى حده طولا بقوله ( و ) غسل ما بين ( منابت شعر الرأس المعتاد و ) منتهى [ ص: 86 ] ( الذقن ) بفتح الذال المعجمة والقاف مجمع اللحيين بفتح اللام ، في نقي الخد ( و ) منتهى ( ظاهر اللحية ) فيمن له لحية بكسر اللام وفتحها وهي الشعر النابت على اللحيين تثنية لحي بفتح اللام وحكي كسرها في المفرد وهو فك الحنك الأسفل فبتقدير منتهى يدخل الذقن وظاهر اللحية لأنهما من الوجه فيجب غسلهما والمراد بغسل ظاهرها إمرار اليد عليها مع الماء وتحريكها وهذا التحريك خلاف التخليل الآتي ، فإنه إيصال الماء للبشرة ولا بد من إدخال جزء من الرأس لأنه مما لا يتم الواجب إلا به وخرج بقوله المعتاد الأصلع والأنزع فلا يجب عليه أن ينتهي إلى منابت شعره بل يقتصر على الجبهة إلا قدر ما يتم به الواجب ، والأغم فإنه يدخل في الغسل ما نزل عن المعتاد وينتهي إلى محل المعتاد وقدر ما يتم به الواجب .

ولما كان في الوجه مواضع ينبو عنها الماء نبه عليها وإن كانت داخلة فيه جريا على عادتهم بقوله ( فيغسل الوترة ) بفتح الواو والمثناة الفوقية وهي الحائل بين طاقتي الأنف ( وأسارير جبهته ) أي خطوطها جمع أسرة واحده سرار كزمام أو جمع أسرار كأعناب واحده سرر كعنب فأسارير جمع الجمع على كل حال والجبهة ما ارتفع عن الحاجبين إلى مبدإ الرأس فتشمل الجبينين ، وأما الجبهة في السجود فهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية فلا تشمل الجبينين ( وظاهر شفتيه ) وهو ما يظهر عند انطباقهما انطباقا طبيعيا فيغسل ما ذكر ( بتخليل ) أي مع تخليل ( شعر ) من لحية أو حاجب أو شارب أو عنفقة أو هدب ( تظهر البشرة ) أي الجلدة ( تحته ) في مجلس المخاطبة والتخليل إيصال الماء للبشرة وخرج بتظهر البشرة تحته ، وهو الخفيف ، الكثيف فلا يخلله بل يكره على ظاهرها ( لا ) يغسل ( جرحا برئ ) غائرا ( أو ) موضعا ( خلق غائرا ) [ ص: 87 ] إن لم يمكن دلكه وإلا وجب غسله ولا بد من إيصال الماء إليه إن أمكن وسواء كان ذلك في الوجه أو غيره

التالي السابق


( قوله : فرائض الوضوء ) اعترض بأن فرائض جمع كثرة وهو للعشرة ففوق مع أن فرائض الوضوء سبعة وأجيب بأنه استعمل جمع الكثرة في القلة مجازا أو أنه عبر بجمع الكثرة نظرا إلى أن مبدأه من ثلاثة إلى ما لا نهاية له كذا قيل وقد يقال لا داعي لذلك ولا إشكال أصلا ، فإن فعيلة ليس له جمع قلة وما ليس له جمع قلة ينوب فيه جمع الكثرة عن جمع القلة وبالعكس قال في الخلاصة

وبعض ذي بكثرة وضعا يفي كأرجل والعكس جاء كالصفي

( قوله : جمع فريضة ) أي على خلاف القياس لما ذكره المرادي وغيره من أن شرط جمع فعيلة على فعائل أن لا تكون بمعنى مفعولة فلا يجمع عليه نحو جريحة وقتيلة وأن جمع ذبيحة على ذبائح وفريضة على فرائض شاذ ا هـ بن وقوله جمع فريضة أي ويصح أن يكون جمع فرض شذوذا لأن فعلا وإن لم يجمع على أفعال قياسا يجمع عليه شذوذا ( قوله : فيهما ) أي في الماء وفي الفعل ( قوله : : وهل هو ) أي الوضوء بالفتح ( قوله : مطلقا ) أي سواء كان معدا للوضوء كماء الميضآت والحنفيات أو كان غير معد له كماء البحر والسماء كان مستعملا في الوضوء بالفعل أم لا .

وحاصله أنه يحتمل احتمالات ثلاثة وليست أقوالا ( قوله : والمصنف ذكرها ) أي ذكر فرائض الوضوء ( قوله : سبعة ) أي وهي غسل الوجه واليدين للمرفقين ومسح جميع الرأس وغسل الرجلين فهذه الأربعة متفق على فرضيتها ومجمع عليها والنية والفور والدلك وهذه الثلاثة مختلف في فرضيتها بين المجتهدين أرباب المذاهب

( قوله : المجمع عليها ) أي على فرضيتها لثبوتها بنص القرآن ( قوله : إلى آخر الذقن ) أي في حق من لا لحية له بأن كان نقي الخد ( قوله : أو اللحية ) أي في حق من له لحية ( قوله : غسل ما بين إلخ ) الغسل هو إمرار اليد على العضو مقارنا للماء أو عقبه على المشهور ولا يشترط فيه نقل الماء ولو كان ذلك الغسل مجزئا عن مسح الرأس نظرا للحال كما ذكره شيخنا في الحاشية بخلاف المسح فلا بد فيه من نقل الماء على المشهور لضعفه ولو كان ذلك المسح نائبا عن غسل مغسول نظرا للحال ولأن هذا أضعف من المسح الغير النائب ( قوله : فكلامه على حذف مضاف ) إنما احتيج لذلك لأجل إخراج شعر الصدغين والبياض الذي فوق الوتدين ، فإنهما داخلان في كلامه فيقتضي أنهما من الوجه وأنه يجب غسلهما مع أنه ليس كذلك ( قوله : فخرج ) أي بتقدير هذا المضاف ( قوله : لأنهما من الرأس ) أي وحينئذ فيمسحان معها ( قوله : : فهو من الوجه ) أي وحينئذ فيغسل معه ( قوله : فيجب غسله على الأرجح ) علم منه أن البياض المحاذي للوتد من الوجه باتفاق وكذا ما كان تحته على المشهور خلافا لمن قال : إنه لا يغسل ولا يمسح مع الرأس ، وأما البياض الذي فوقه فهو من الرأس كشعر الصدغين ، وأما الوتدان فليسا من الوجه ولا من الرأس ( قوله : وغسل ما بين منابت إلخ ) أشار الشارح بهذا الحد إلى أن قول [ ص: 86 ] المصنف ومنابت عطف على الأذنين ( قوله : منتهى الذقن ) فيه أنه إن أريد بالمنتهى الجزء الأخير لزم خروج الجزء الأخير من الوجه وإن أريد بالمنتهى الانتهاء فهو أمر اعتباري لا يصلح أن يكون غاية .

وأجيب بأنا نختار أن المراد بالمنتهى الانتهاء لكن نريد بالانتهاء ما لاصق الجزء الأخير من الفراغ كذا قرره شيخنا ( قوله : مجمع اللحيين ) تثنية لحي ، وحاصله أن ضبة الحنك السفلى قطعتان كل منهما يقال لها لحي ومحل اجتماعهما هو الذقن ( قوله : في نقي الخد ) أي بالنسبة لنقي الخد ( قوله : ومنتهى ظاهر اللحية ) إنما أتى المصنف بظاهر دفعا لما يتوهم أنه يغسل ظاهر اللحية وهو ما كان من جهة الوجه وباطنها وهو أسفلها مع أنه لا يطالب بغسل أسفلها ( قوله : وحكي كسرها في المفرد ) أي وأما المثنى فهو بفتح اللام لا غير هذا ظاهره وعبارة خش وحكي كسرها في المفرد والتثنية فتأمل ( قوله : وهو فك الحنك إلخ ) الضمير راجع لما ذكر من اللحيين وفك أي عظم الحنك الأسفل ( قوله : : ولا بد ) أي في غسل الوجه من إدخال جزء من الرأس أي كما أنه لا بد في مسح الرأس من مسح جزء من الوجه فليس على المشهور فرض يغسل ويمسح إلا الحد الذي بين الوجه والرأس ، فإنه يغسل ويمسح لأجل تمام كل من غسل الوجه ومسح الرأس ( قوله : لأنه مما لا يتم الواجب إلا به ) أي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهل بوجوب مستقل أو بوجوب الواجب الذي يتم به قولان ( قوله : الأصلع ) الصلع هو خلو الناصية من الشعر والناصية مقدم الرأس فلا تدخل في الوجه ( قوله : والأنزع ) هو الذي له نزعتان بفتحتين أي بياضان يكتنفان ناصيته فكما لا تدخل ناصية الأصلع في الوجه لا يدخل فيه البياضان المكتنفان بالناصية بالنسبة للأنزع ( قوله : والأغم ) أي وخرج من حد الوجه بقيد المعتاد الأغم فلا يعتبر غممه نهاية بل يدخل غممه النازل عن المعتاد في الغسل ( قوله : وإن كانت داخلة فيه ) أي في الوجه أي في تحديده الذي ذكره ( قوله : : أو جمع أسرار ) أي أو أن أسارير جمع أسرار ( قوله : على كل حال ) أي لأنه على الحال الأول سرار كزمام يجمع على أسرة وأسرة يجمع على أسارير وعلى الثاني سرر كعنب يجمع على أسرار وأسرار يجمع على أسارير ( قوله : : والجبهة ) أي هنا ( قوله : فتشمل الجبينين ) أي وهما جانبا الرأس ( قوله : إلى الناصية ) أي مقدم الرأس ( قوله : فلا تشمل الجبينين ) أي وحينئذ إذا سجد على واحد منهما لم يجزه ( قوله : انطباقا طبيعيا ) أي من غير تكلف ( قوله : بتخليل شعر ) متعلق بغسل والباء بمعنى مع كما أشار لذلك الشارح ( قوله : إيصال الماء للبشرة ) أي للجلدة النابت فيها الشعر أي وليس المراد إيصال الماء لظاهر الشعر فقط ( قوله : وهو ) أي الذي تظهر البشرة تحته الشعر الخفيف ( قوله : الكثيف ) هو بالرفع فاعل خرج ( قوله : بل يكره ) أي لما في ذلك من التعمق ( قوله : على ظاهرها ) أي وهو الراجح خلافا لمن قال يندب تخليله ولمن قال بوجوب تخليله .

واعلم أن المرأة كالرجل في وجوب تخليل الخفيف وفي الأقوال الثلاثة في الكثيف كما قال شيخنا ( قوله : لا جرحا برئ ) عطف على الوترة كما أشار لذلك الشارح في الحد ويصح عطفه على محل ما من قوله غسل ما بين الأذنين ; لأن غسل مصدر مضاف لمفعوله ( قوله : أو موضعا خلق غائرا ) إنما قدر الشارح موضعا إشارة إلى أن جملة خلق صفة لمحذوف [ ص: 87 ] معطوف على جرحا خلافا لما يقتضيه ظاهر المصنف من أن خلق عطف على بريء فيفيد أن الجرح خلق غائرا وهو فاسد وقوله غائرا حال من نائب فاعل خلق وحذف مثله من قوله برئ فهو من الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وليس حالا من نائب فاعل برئ وخلق ; لأنه مفرد ولأنه يلزم عليه تسلط عاملين على معمول واحد ولا من باب التنازع في الحال كما قيل لامتناع التنازع فيها لاقتضائه الإضمار في العامل المهمل ، والضمير لا يكون حالا للزوم تعريفه ولزوم تنكير الحال فتنافيا ( قوله : إن لم يمكن إلخ ) حاصله أن الجرح إذا برئ غائرا وكذلك الموضع الذي خلق غائرا لا يجب غسله يعني صب الماء فيه ودلكه حيث كان لا يمكن دلكه وإن كان لا بد من صب الماء فيه بدون دلك حيث أمكن صبه فيه ، فإن لم يمكن صب الماء فيه فلا يجب صب ولا دلك .

وأما إذا كان يمكن دلكه لاتساعه وجب صب الماء فيه ودلكه ( تنبيه ) يجب على المتوضئ في حال غسله وجهه إزالة ما بعينيه من القذى ، فإن وجد شيئا من القذى بعينيه بعد وضوئه وأمكن حدوثه لطول الزمان حمل على الطريان حيث أمر يده على محله حين غسل وجهه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث