الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد ، فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة :

القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ، ويدل عليه وجوه :

الأول : أنه كان في أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلما بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيا .

الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين ، فلو صار [ ص: 25 ] منقولا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع .

الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقى على أصل اللغة ، فوجب أن يكون غير المعدى كذلك .

الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ، قال : ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) [البقرة : 41] وقوله : ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) [النحل : 106] ( كتب في قلوبهم الإيمان ) [المجادلة : 22] ( ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [الحجرات : 14]

الخامس : أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ، ولو كان العمل الصالح داخلا في الإيمان لكان ذلك تكرارا .

السادس : أنه تعالى كثيرا ذكر الإيمان وقرنه بالمعاصي ، قال : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) [الأنعام : 82] ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [الحجرات : 9] واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) [البقرة : 178] من ثلاثة أوجه :

أحدهما : أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ، ثم إنه خاطبه بقوله : ( ياأيها الذين آمنوا ) [البقرة : 178] فدل على أنه مؤمن .

وثانيها : قوله : ( فمن عفي له من أخيه شيء ) [البقرة : 178] وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ؛ لقوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) [الحجرات : 10] .

وثالثها : قوله : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) [البقرة : 178] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) [الأنفال : 72] هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) [النحل : 28] وقوله : ( ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) [الأنفال : 72] ومع هذا جعلهم مؤمنين ، ويدل أيضا عليه قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) [الممتحنة : 1] وقال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) [الأنفال : 27] وقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) [التحريم : 8] والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال ، وقوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ) [النور : 31] لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنبا وليس كذلك قولنا : هب أنه خص فيما عدا المذنب ، فبقي فيهم حجة .

القيد الثاني : أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني ، والدليل عليه قوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) [البقرة : 8] نفى كونهم مؤمنين ، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي .

القيد الثالث : أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمنا .

القيد الرابع : ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عز وجل ؛ لأن الرسول - عليه السلام - كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالما لذاته أو بالعلم ، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطا معتبرا في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا . فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان ، فإن قال قائل : ههنا صورتان : الصورة الأولى : من عرف الله تعالى بالدليل [ ص: 26 ] والبرهان ، ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة ، فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان ، وهو خرق للإجماع ، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام : " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " وهذا قلب طافح بالإيمان ، فكيف لا يكون مؤمنا ؟

الصورة الثانية : من عرف الله تعالى بالدليل ، ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ، ولكنه لم يتلفظ بها، فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع ، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام : " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " ولا ينتفي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق .

والجواب : أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين ، وحكم بكونهما مؤمنين ، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان .

المسألة الرابعة : قيل : " الغيب " مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كالصوم بمعنى الصائم ، والزور بمعنى الزائر ، ثم في قوله تعالى : ( يؤمنون بالغيب ) قولان : الأول : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله : ( بالغيب ) صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) [يوسف : 52] ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقا لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن الحاسة ، ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل . فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع ، فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة ، فيصلح أن يكون سببا لاستحقاق الثناء العظيم . واحتج أبو مسلم على قوله بأمور : الأول : أن قوله : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) [البقرة : 4] إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ) هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وإنه غير جائز . الثاني : لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب ، وهو خلاف قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) [الأنعام : 59] أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور . الثالث : لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ) لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز ؛ لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل ، أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور .

والجواب عن الأول : أن قوله : ( يؤمنون بالغيب ) يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ، ثم بعد ذلك قوله : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) [البقرة : 4] يتناول الإيمان ببعض الغائبات ، فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله : ( وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) [البقرة : 98] وعن الثاني : أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا ، فكان ذلك التخصيص لازما على [ ص: 27 ] الوجهين جميعا . فإن قيل : أفتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ قلنا : قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما دل عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه ، أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول : نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال العلماء : الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة .

وعن الثالث : لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد . ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث