الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 106 ] ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين )

الكلام في النبوة

( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة ، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول الحشوية الذين يقولون : لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار ، ولما كانت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - مبنية على كون القرآن معجزا أقام الدلالة على كونه معجزا .

واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين :

الطريق الأول : أن يقال : إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة :

إما أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء ، أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة ، أو زائدا عليه بقدر ينقض ، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث ، وإنما قلنا : إنهما باطلان ؛ لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية . وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله ، والمعارضة أقوى القوادح ، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم ، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا ، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد .

واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها ، فدل ذلك على كونه معجزا :

أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة ، أو وصف حرب أو وصف غارة ، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم .

وثانيها : أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه ، وكل شاعر ترك الكذب والتزم [ ص: 107 ] الصدق نزل شعره ولم يكن جيدا ، ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما . ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي ، وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى .

وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين . والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته .

ورابعها : أن كل من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول . وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا .

وخامسها : أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة .

وسادسها : أنهم قالوا : إن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل ، وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن . أما القرآن فإنه جاء فصيحا في كل الفنون على غاية الفصاحة ، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) [ السجدة : 17 ] ، وقال تعالى : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) [ الزخرف 71 ] ، وقال في الترهيب : ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ) الآيات [ الإسراء : 68 ] ، وقال : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم ) الآية [ الملك : 16 ، 17 ] ، وقال : ( وخاب كل جبار عنيد ) [ إبراهيم : 15 ] ، إلى قوله : ( ويأتيه الموت من كل مكان ) [ إبراهيم : 17 ] ، وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر ، وهو قوله : ( فكلا أخذنا بذنبه ) [ العنكبوت : 40 ] ، إلى قوله : ( ومنهم من أغرقنا ) [ العنكبوت : 40 ] ، وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه ( أفرأيت إن متعناهم سنين ) [ الشعراء : 205 ] وقال في الإلهيات : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ) إلى آخره [ الرعد : 8 ] .

وسابعها : أن القرآن أصل العلوم كلها ، فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن ، وكذا علم أصول الفقه ، وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا ، وأخبار الآخرة واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل كتابنا في دلائل الإعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى .

الطريق الثاني : أن نقول : القرآن لا يخلو إما أن يقال : إنه كان بالغا في الفصاحة إلى حد الإعجاز ، أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول ثبت أنه معجز ، وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ، ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق للعادة ، فكان ذلك معجزا ، فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه ، وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث