الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة

وأما الآثار فمن وجوه :

( أ ) العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم ؛ لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها ، والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها .

( ب ) قيل لابن مسعود : بم وجدت هذا العلم ؟ قال : بلسان سئول ، وقلب عقول .

( ج ) قال بعضهم : سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ الأكياس .

( د ) مصعب بن الزبير قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالا ، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالا .

( ه ) قال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل .

( و ) قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم [ ص: 167 ] بالله غير عالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله .

أما الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه ، فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء ، فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه .

الثاني : هو الذي يكون عالما بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله .

أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله ، وإذا خلا بربه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق ، فهذا سبيل المرسلين والصديقين ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : " سائل العلماء ، وخالط الحكماء ، وجالس الكبراء " فالمراد من قوله عليه السلام : سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله ، فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم ، وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم ؛ لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات ، أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات : أن يكون ذاكرا باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفا من الخلق دون الرب ، وأن يستحيي من الناس في الظاهر ولا يستحيي من الله في السر ، وأما العالم بالله فإنه يكون ذاكرا خائفا مستحييا .

أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء ، الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى : كونه جالسا على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلما للقسمين الأولين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما ، ثم قال : مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله فقط ، كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقط ، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره .

( ز ) قال فتح الموصلي : أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت .

( ح ) قال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع ، وعزم على أن لا يذنب كان مؤمنا محضا .

وقال أيضا : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى ، وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة ، والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك في مجلس الذكر .

( ط ) قال بعضهم في قوله تعالى : ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) [الرعد : 17] السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال : أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء .

والثاني : كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم .

الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم .

والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرع الوعد والوعيد .

الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع [ ص: 168 ] وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به .

( ي ) كم من مذكر بالله ناس لله ، وكم من مخوف بالله جريء على الله ، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله ، وكم من داع إلى الله فار من الله ، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله . ( يا ) الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء ، وعدل الأمراء ، وعبادة العباد ، وأمانة التجار ، ونصيحة المحترفين .

فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة .

( يب ) فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحدا بشيء حتى عمله .

والثاني : لم ينه أحدا عن شيء حتى انتهى عنه .

والثالث : كل من طلب منه شيئا مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال .

والرابع : كان يستغني بعلمه عن الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء .

( يج ) إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلبا للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلبا للفراغ ، وحب الحكمة طلبا لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلبا لمناجاة الرب .

( يد ) اطلب خمسة في خمسة ، الأول : اطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة .

والثاني : اطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة .

والثالث : اطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا .

والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة .

والخامس : اطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية .

( يه ) قال ابن المبارك : ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، والولاة .

أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض ، وأما الغزاة فجند الله في الأرض ، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما الولاة فهم الرعاة ، فإذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا فبمن يقتدي الجاهل ؟ وإذا كان الزاهد في الدنيا راغبا فبمن يقتدي التائب ؟ وإذا كان الغازي طامعا مرائيا فكيف يظفر بالعدو ؟ وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الأمانة ؟ وإذا كان الراعي ذئبا فكيف تحصل الرعاية ؟

( يو ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلم أفضل من المال بسبعة أوجه : أولها : العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة .

الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص .

والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه .

والرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره .

والخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر ، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن .

والسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ، ولا يحتاجون إلى صاحب المال .

السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط ، والمال يمنعه .

( يز ) قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئا فله سبع كرامات :

أولها : ينال فضل المتعلمين .

والثاني : ما دام جالسا عنده كان محبوسا عن الذنوب .

والثالث : إذا خرج من منزله طلبا للعلم نزلت الرحمة عليه .

والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب .

والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له طاعة .

والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى ؛ لقوله عز وجل : " أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " .

والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه [ ص: 169 ] عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم ؛ فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث