الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

واعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين :

البحث الأول : كيفية إزالتها ، وذلك هو قوله تعالى : ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) فالمراد إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام . أما قوله : (ثم يحكم الله آياته ) فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن ، وإلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا يجوز فيها الغلط .

البحث الثاني : أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة ، ثم إنه سبحانه شرح أثرها في حق الكفار أولا ، ثم في حق المؤمنين ثانيا ، أما في حق الكفار فهو قوله : ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ) والمراد به تشديد التبعيد ؛ لأن عندما يظهر من الرسول صلى الله عليه وسلم الاشتباه في القرآن سهوا يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد ، وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صوابا .

أما قوله : ( للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ) ففيه سؤالان :

السؤال الأول : لم قال : ( فتنة للذين في قلوبهم مرض ) ؟ ولم خصهم بذلك الجواب ؟ لأنهم مع [ ص: 49 ] كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر ، وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر .

السؤال الثاني : ما مرض القلب ؟ الجواب : أنه الشك والشبهة وهم المنافقون كما قال : ( في قلوبهم مرض ) وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهرا وباطنا .

أما قوله تعالى : ( وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين فأصله وإنهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة سواء ، وأما في حق المؤمنين فهو قوله : ( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ) وفي الكناية ثلاثة أوجه :

أحدها : أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان ، عن الكلبي . وثانيها : أنه الحق أي القرآن عن مقاتل . وثالثها : أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق ، أما على قولنا فلأنه سبحانه وتعالى أي شيء فعل فقد تصرف في ملكه وملكه - بضم الميم وكسرها - فكان حقا ، وأما على قول المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صوابا فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتسكن لعلمهم بأن المقضي كائن ، وكل ميسر لما خلقه له ، ( وإن الله لهادي الذين آمنوا ) إلى أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة ، وقرئ : " لهاد الذين آمنوا " بالتنوين ، ولما بين سبحانه حال الكافرين أولا ، ثم حال المؤمنين ثانيا عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال : ( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ) أي من القرآن أو من الرسول ، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه .

أما قوله تعالى : ( حتى تأتيهم الساعة بغتة ) أي فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية لكفرهم ، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء . واختلف في المراد باليوم العقيم وفيه قولان : أحدهما : أنه يوم بدر ، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة :

أحدها : أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن . وثانيها : أن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز . وثالثها : هو الذي لا خير فيه ، يقال : ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا ولم تلقح شجرا . ورابعها : أنه لا مثل له في عظم أمره ، وذلك لقتال الملائكة فيه . القول الثاني : أنه يوم القيامة ، وإنما وصف بالعقيم لوجوه :

أحدها : أنهم لا يرون فيه خيرا ، وثانيها : أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة . وثالثها : أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه ، وهذا القول أولى ؛ لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى : ( ولا يزال الذين كفروا ) ويكون المراد يوم بدر ؛ لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر ، فإن قيل لما ذكر الساعة : فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار ؛ قلنا : ليس كذلك ؛ لأن الساعة من مقدمات القيامة ، واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم ، وعلى أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكرارا ؛ لأن في الأول ذكر الساعة ، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم ، ويحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد ، وبعذاب يوم عقيم القيامة .

أما قوله : ( الملك يومئذ لله ) فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم ، وأراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التي ملك الله الأمور غيره ، وبين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم ، وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم ، والكافرين [ ص: 50 ] في العذاب المهين ، وقد تقدم وصف الجنة والنار ، فإن قيل : التنوين في يومئذ عن أي جملة ينوب ؟ قلنا : تقديره : الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى : ( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث