الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة ؟ قال بعض المتكلمين ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم ، وقال كثير من الفقهاء : إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه :

أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف ( إلا إبليس كان من الجن ) [الكهف : 50] واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من [ ص: 196 ] الجن وجب أن لا يكون من الملائكة ؛ لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ؛ ولهذا سمي الجنين جنينا لاجتنانه ، ومنه الجنة لكونها ساترة ، والجنة لكونها مستترة بالأغصان ، ومنه الجنون لاستتار العقل فيه ، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة ، فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول : لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى : ( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) [سبأ : 41] وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك ، فإن قيل : لا نسلم أنه كان من الجن ، أما قوله تعالى ( كان من الجن ) [الكهف : 50] فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روي عن ابن مسعود أنه قال : كان من الجن أي كان خازن الجنة ؟ سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون قوله : من الجن أي صار من الجن كما أن قوله ( وكان من الكافرين ) أي صار من الكافرين ، سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن ، فلم قلت إن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة ؟ وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) [الصافات : 158] وذلك لأن قريشا قالت : الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جنا ؟ والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : ( كان من الجن ) [الكهف : 50] أنه كان خازن الجنة ؛ لأن قوله : ( إلا إبليس كان من الجن ) يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنيا ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازنا للجنة ، فيبطل ذلك قوله : ( كان من الجن ) أي صار من الجن .

قلنا : هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة ، وأما قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) [الصافات : 158] قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة ، وأيضا فقد بينا أن الملك يسمى جنا بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب ، لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية ، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث .

وثانيها : أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ، إنما قلنا : إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) [الكهف : 50] وهذا صريح في إثبات الذرية له ، وإنما قلنا : إن الملائكة لا ذرية لهم ؛ لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى ، والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ) [الزخرف : 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية .

وثالثها : أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه ، وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة .

ورابعها : أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك ، إنما قلنا : إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس ( خلقتني من نار ) [الأعراف : 12] وأيضا فلأنه كان من الجن لقوله تعالى ( كان من الجن ) [الكهف : 50] والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) [الحجر : 27] وقال ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ) [الرحمن : 15] وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور ، فلما روى الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت [ ص: 197 ] الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ؛ ولأن من المشهور الذي يدفع أن الملائكة روحانيون ، وقيل إنما سموا بذلك ؛ لأنهم خلقوا من الريح أو الروح .

وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلا ) [فاطر : 1] ورسل الله معصومون ، لقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [الأنعام : 124] فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة ، واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين .

الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله ، وذلك يوجب كونه من الملائكة ، لا يقال : الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب ، قال تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ) [الزخرف : 27] وقال تعالى ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) [الواقعة : 25] وقال تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ) [النساء : 29] وقال تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) [النساء : 92] وأيضا فلأنه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة ، فغلبوا عليه في قوله ( فسجدوا ) ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم ؛ لأنا نقول : كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل ، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة ، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات ، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات ، ولو قلنا : إنه ليس من الملائكة ، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ، ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى .

أيضا فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ، ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه ، وأما قوله إنه جني واحد بين الملائكة ، فنقول : إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه .

الحجة الثانية : قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) متناولا له ، ولو لم يكن متناولا له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية ، ولما استحق الذم والعقاب ، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ، ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة ، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم ، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب ، وأيضا فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر ، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) [الأعراف : 12] لأنا نقول : أما الأول فجوابه أن المخالطة لا توجب ما ذكرتموه ، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإناث ، وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين ، وأيضا فشدة المخالطة بين الملائكة وبين إبليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على إبليس فكيف تمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة ، وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، فلما ذكر قوله : ( أبى واستكبر ) عقيب قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر ، فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق الأمور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث