الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

[ ص: 198 ] المسألة الرابعة : اعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول : قال أكثر أهل السنة : الأنبياء أفضل من الملائكة ، وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة ، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا ، وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين : أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور .

أحدها : قوله تعالى ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) [الأنبياء : 19] إلى قوله ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [الأنبياء : 20] والاستدلال بهذه الآية من وجهين :

الأول : أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة ، فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ، ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ، ولقائل أن يقول إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [القمر : 55] وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه سبحانه " أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم ؛ لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى ، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله تعالى .

الوجه الثاني في الاستدلال بالآية أن الله تعالى احتج بعدم استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج ، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له يقول : الملوك لا يستكبرون عن طاعتي ، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي ! وبالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف .

ولقائل أن يقول : لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر ، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت ، فإنه تعالى يقول إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السماوات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم ، لا يتركون العبودية لحظة واحدة ، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات أولى أن لا يتمردوا ، فهذا القدر من التفاوت كاف في صحة هذا الاستدلال ، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذا المعنى ، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب ، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثوابا من البشر ، ولا بد فيه من دليل ، مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه ؟

وثانيها : أنهم قالوا : عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر ، فتكون أكثر ثوابا من عبادات البشر ، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه :

أحدها : أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا إن ميلهم إلى التمرد أشد ؛ لأن العبد السليم من الآفات ، المستغني عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات ، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ؛ ولهذا قال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) [العنكبوت : 65] ومعلوم أن الملائكة سكان السماوات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون [ ص: 199 ] من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبدا مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم ، وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فإنه أطلق له جميع مواضع الجنة بقوله ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) [البقرة : 35] ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر ، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر .

وثانيها : أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان ، أما الإقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ؛ ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسوما بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [الأنبياء : 20] وقال ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) [الصافات : 165 ، 166] وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة ، إذا ثبت ذلك وجب أن تكون عباداتهم أفضل ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام " أفضل الأعمال أحمزها " أي أشقها ، وقوله لعائشة رضي الله عنها " إنما أجرك على قدر نصبك " والقياس أيضا يقتضي ذلك ، فإن العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم .

ولقائل أن يقول على الوجهين : هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكبر ؟ وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه ، ومن أمثاله ، بل يحكى عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم ، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب ، وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناء على الدواعي والقصود ، فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثوابا عظيما والآخر لا يستحق به ثوابا قليلا ، لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني ، فإذن كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول : لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق .

أما قوله في الوجه الأول : السماوات كالبساتين النزهة قلنا : مسلم ولكن لم قلتم بأن الإتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الإتيان بها في المواضع الرديئة ؟

أكثر ما في الباب أن يقال : إنه قد يهيأ له أسباب التنعم فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق ، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشر ، ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته ، وذلك أدخل في العبودية ، وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى ، أما قوله : والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق ، قلنا هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما [ ص: 200 ] اعتادوا نوعا واحدا من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على خلافه على ما قيل : العادة طبيعة خامسة ، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة عليهم ، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصوم ، وقال " أفضل الصوم صوم داود عليه السلام " وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما .

وثالثها : قالوا : عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل ، بيان أنها أدوم قوله سبحانه وتعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [الأنبياء : 20] وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم أدوم وأكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة ، وعلى هذه الآية سؤال : روي في شعب الإيمان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ثم قال ( جاعل الملائكة رسلا ) [فاطر : 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح ؟ وأيضا قال ( أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) [البقرة : 161] فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار ، فقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالنا بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال .

وأقول : لقائل أن يقول : الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام ؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال ، والجواب الأول : أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنا كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر .

والجواب الثاني : اللعن هو الطرد والتبعيد ، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه .

والجواب الثالث : قوله ( لا يفترون ) [الأنبياء : 20] معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال : إن فلانا مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبدا مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم أبدا على أدائها في أوقاتها ، وإذا ثبت أن عبادتهم أدوم وجب أن تكون أفضل .

أما أولا ؛ فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية ، وأما ثانيا : فلقوله عليه السلام : أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله والملائكة صلوات الله عليهم أطول العباد أعمارا وأحسنهم أعمالا فوجب أن يكونوا أفضل العباد ؛ ولأنه عليه السلام قال " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر .

ولقائل أن يقول : إن نوحا عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمرا من محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمرا وأشد اجتهادا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى .

والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإنسان على وجه يستحق بها ثوابا كثيرا والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها إلا ثوابا قليلا .

ورابعها : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين ، والسبق في العبادة جهة تفضيل وتعظيم ، أما أولا [ ص: 201 ] فبالإجماع ، وأما ثانيا فلقوله تعالى ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) [الواقعة : 10] وأما ثالثا فلقوله عليه السلام " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " فهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر .

ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ، ولما كان ذلك باطلا بالإجماع بطل ما ذكروه ، والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخر أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم .

وخامسها : أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء ، أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى ( علمه شديد القوى ) [النجم : 5] وقوله ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) [الشعراء : 193] وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم ، فكذا ههنا ، فإن قيل : العرف أن السلطان إذا أرسل واحدا إلى جمع عظيم ليكون حاكما فيهم ومتوليا لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع ، أما إذا أرسل واحدا إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أرسل واحدا من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير ، قلنا : لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم .

واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلا ) [فاطر : 1] ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولا إلى ملك آخر ، أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من البشر ، وعلى التقدير فالملك رسول وأمته رسل ، وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل ، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك ، فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ؛ ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولا إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه ، وموسى عليه السلام كان رسولا إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا ههنا .

ولقائل أن يقول : الملك إذا أرسل رسولا إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكما عليهم ومتوليا لأمورهم ومتصرفا في أحوالهم وقد لا يكون ؛ لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكما عليهم ومتوليا لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه ، أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم ، فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث