الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الحجة الأولى فقالوا : قد سبق بيان أن من الناس من قال : المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ، ومنهم من سلم أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال : السجود لله وآدم قبلة السجود ، وعلى هذين القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود كان لآدم عليه السلام فلم قلتم ، إن ذلك لا يجوز من الأشرف في حق الشريف ، وذلك لأن الحكمة قد تقتضي ذلك كثيرا من حب الأشرف وإظهار النهاية في الانقياد والطاعة ، فإن للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر بخدمته ، ويكون غرضه من ذلك إظهار كونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ؟ وأيضا أليس [ ص: 215 ] من مذهبنا أنه " يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد " وأن أفعاله غير معللة ؛ ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان ، ثم في تعذيبه عليه أبد الآباد ، وإذا كان كذلك فكيف يعترض عليه في أن يأمر الأعلى بالسجود للأدنى .

وأما الحجة الثانية : فجوابها : أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء ، فإن قيل : فلم لم يجعل واحدا من ملائكة السماء خليفة له في الأرض ؟ قلنا لوجوه منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة ، ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن الملائكة في نهاية الطهارة والعصمة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) [الأنعام : 9] .

وأما الحجة الثالثة : فلا نسلم أن آدم عليه السلام كان أعلم منهم ، أكثر ما في الباب أن آدم عليه السلام كان عالما بتلك اللغات ، وهم ما علموها ، لكن لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم عليه السلام ما كان عالما بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم عليه السلام مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان عالما بهذه اللغات بأسرها وأيضا فإن إبليس كان عالما بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم عن الجنة ، وآدم عليه السلام لم يكن عالما ذلك ولم يلزم منه كون إبليس أفضل من آدم عليه السلام ، والهدهد قال لسليمان : أحطت بما لم تحط به ، ولم يلزم أن يكون الهدهد أفضل من سليمان سلمنا أنه كان أعلم منهم ، ولكن لم لا يجوز أن يقال : إن طاعاتهم أكثر إخلاصا من طاعة آدم فلا جرم كان ثوابهم أكثر .

أما الحجة الرابعة : فهي أقوى الوجوه المذكورة .

أما الحجة الخامسة : وهي قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [الأنبياء : 107] فلا يلزم من كون محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله : ( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ) [الروم : 50] ولا يمتنع أن يكون هو عليه الصلاة والسلام رحمة لهم من وجه ، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر .

وأما الحجة السادسة : وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأنه عليه السلام لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ، وما ذاك إلا أن كثرة الثواب مبنية على الإخلاص في النية ويجوز أن يكون الفعل أسهل إلا أن إخلاص الآتي به أكثر فكان الثواب عليه أكثر .

أما الحجة السابعة : فهي جمع بين الطرفين من غير جامع .

وأما الحجة الثامنة : وهي أن المحفوظ أشرف من الحافظ فهذا ممنوع على الإطلاق ، بل قد يكون الحافظ أشرف من المحفوظ كالأمير الكبير الموكل على المتهمين من الجند ، وأما الوجهان الآخران : فهما من باب الآحاد وهما معارضان بما رويناه من شدة تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا آخر المسألة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث