الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

المسألة الخامسة : اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن يظن أنه كان معذورا في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع القدرة ، وزوال العذر بقوله : " أبى " لأن الإباء هو الامتناع مع [ ص: 216 ] الاختيار ، أما من لم يكن قادرا على الفعل لا يقال له إنه أبى ، ثم قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكبر فبين تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله : " واستكبر " ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله : ( وكان من الكافرين ) قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه :

أحدها : أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد ، لم يقدر على السجود لأن عندهم القدرة على الفعل منتفية ، ومن لا يقدر على الشيء يقال إنه أباه .

وثانيها : أن من لا يقدر على الفعل لا يقال : استكبر بأن لم يفعل ؛ لأنه إذا لم يقدر على الفعل لا يقال : استكبر عن الفعل ، وإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع كونه لو أراد الفعل لأمكنه .

وثالثها : قال تعالى : ( وكان من الكافرين ) ولا يجوز أن يكون كافرا بأن لا يفعل ما لا يقدر عليه .

ورابعها : أن استكباره وامتناعه خلق من الله فيه فهو بأن يكون معذورا أولى من أن يكون مذموما ، قال : ومن اعتقد مذهبا يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة .

والجواب عنه : أن هذا القاضي لا يزال يطنب في تكثير هذه الوجوه وحاصلها يرجع إلى الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنقول له نحن أيضا : صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع أو لا عن قصد وداع ؟ فإن كان عن قصد وداع فمن أين ذلك القصد ؟ أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد أو عن فاعل هو الله ؟ فإن وقع لا عن فاعل كيف يثبت الصانع ؟ وإن وقع عن العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل ، وإن كان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد وسنبطله ، وإن وقع عن فاعل هو الله فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا ، أما إن قلت : وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد وداع ، فقد ترجح الممكن من غير مرجح وهو يسد باب إثبات الصانع ، وأيضا فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقيا ، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره فكيف يؤمر به وينهى عنه ؟ فيا أيها القاضي ما الفائدة في التمسك بالأمر والنهي ، وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلها إلى حرف واحد مع أن مثل هذا البرهان القاطع يقلع خلفك ، ويستأصل عروق كلامك ، ولو أجمع الأولون والآخرون على هذا البرهان لما تخلصوا عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح ، وحينئذ ينسد باب إثبات الصانع ، أو بالتزام أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث