الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان

المسألة الرابعة : في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا ؟

أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل ، والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة ، والمنسوب إلى التضريب والنميمة ، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ، ولعلهم كفروا من قال بها وجوز وجودها .

وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ، ويقلب الإنسان حمارا ، والحمار إنسانا ، إلا أنهم قالوا : إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة . فأما أن يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا .

وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره ، [ ص: 194 ] واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة : أنه قد ثبت أن العالم محدث ، فوجب أن يكون موجده قادرا ، والشيء الذي حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدورا لكونه ممكنا ، والإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات ، فإذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ، ولو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلا لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور ، فيكون الحادث سببا لعجز الله ، وهو محال ، فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله ، وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة ، قالوا : إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة ، فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر .

أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) ، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه ، وأما الأخبار فهي واردة عنه - صلى الله عليه وسلم - متواترة وآحادا :

أحدها : ما روي أنه عليه السلام سحر ، وأن السحر عمل فيه حتى قال : " إنه ليخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله ، ولم أقله ولم أفعله " ، وأن امرأة يهودية سحرته ، وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر ، فلما استخرج ذلك زال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك العارض ، وأنزل المعوذتان بسببه .

وثانيها : أن امرأة أتت عائشة - رضي الله عنها - فقالت لها : إني ساحرة فهل لي من توبة ؟ فقالت : وما سحرك ؟ فقالت : صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر ؛ فقالا لي : يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا ، فأبيت ، فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك الرماد ، فذهبت لأبول عليه ، ففكرت في نفسي ، فقلت : لا أفعل . وجئت إليهما ، فقلت : قد فعلت ، فقالا لي : ما رأيت لما فعلت ؟ فقلت : ما رأيت شيئا . فقالا لي : أنت على رأس أمر ؛ فاتقي الله ولا تفعلي ، فأبيت ؛ فقالا لي : اذهبي فافعلي ، فذهبت ففعلت ، فرأيت كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي ، فصعد إلى السماء ، فجئتهما فأخبرتهما ، فقالا : إيمانك قد خرج عنك ، وقد أحسنت السحر ، فقلت : وما هو ؟ قالا : ما تريدين شيئا فتصوريه في وهمك إلا كان ، فصورت في نفسي حبا من حنطة ، فإذا أنا بحب ، فقلت : انزرع . فانزرع فخرج من ساعته سنبلا ، فقلت : انطحن . فانطحن من ساعته ، فقلت : انخبز . فانخبز ، وأنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل ، فقالت عائشة : ليس لك توبة .

وثالثها : ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب ، وهي مشهورة . أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه :

أحدها : قوله تعالى : ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) [ طه : 69 ] .

وثانيها : قوله تعالى في وصف محمد - صلى الله عليه وسلم - : ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) [ الفرقان : 8 ] ، ولو صار عليه السلام مسحورا لما استحقوا الذم بسبب هذا القول .

وثالثها : أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف يتميز المعجز عن السحر ، ثم قالوا : هذه الدلائل يقينية ، والأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث