الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا

المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك بنعمة ، فإن أردت زوالها ، فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها ، فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد ، فلا يضرك محبتك لزوالها ؛ فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات :

أحدها : هذه الآية ، وهي قوله تعالى : ( لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ) فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد .

وثانيها : قوله تعالى : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) [ النساء : 89 ] .

وثالثها : قوله تعالى : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) [ آل عمران : 120 ] وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان .

ورابعها : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف ، وعبر عما في قلوبهم بقوله : ( قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ) [ يوسف : 9 ] فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له .

وخامسها : قوله تعالى : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) [ الحشر : 9 ] أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد .

وسادسها : قال تعالى في معرض الإنكار : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) [ النساء : 54 ] .

وسابعها : قال الله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) [ البقرة : 213 ] إلى قوله : ( إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) [ البقرة : 213 ] قيل في التفسير : حسدا .

وثامنها : قوله تعالى : ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) [ الشورى : 14 ] فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول .

وتاسعها : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله ، وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا ، فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه ، فقال تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) [ البقرة : 89 ] إلى قوله : ( أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ) [ البقرة : 90 ] أي حسدا . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك ، فقال أبي لعمي : ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام ، وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه :

أولها : قوله تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [ المطففين : 26 ] .

وثانيها : قوله تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) وإنما المسابقة عند خوف الفوت ، وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما ، إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه ، فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها .

وثالثها : قوله عليه السلام : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه [ ص: 216 ] الله مالا فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس " .

وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يكون له مثل ذلك ؛ لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا بالمعصية ، وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله ، والتشمير لتعليم الناس ، كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له ، وزوال النقصان عنه ، فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة ، وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان :

أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير .

والثاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له ، فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن ذلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم ، وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام : " ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن : الحسد والظن والطيرة ، ثم قال : وله منهن مخرج ، إذا حسدت فلا تبغ " ، أي : إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد ، وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث