الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( لا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت لأنه يراد للإعلام بالوقت فلا يجوز قبله . وأما الصبح فيجوز أن يؤذن لها بعد نصف الليل لقول النبي صلى الله عليه وسلم { إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم } ولأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام وفيهم الجنب والمحدث ، فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهب للصلاة [ ويخالف ] سائر الصلوات [ فإنه ] يدخل وقتها والناس مستيقظون فلا يحتاج إلى تقديم الأذان ، وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا يجوز قبل الوقت ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما وروى ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما من رواية عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال } قال البيهقي : قال ابن خزيمة : إن صحت هذه الرواية فيجوز أن يكون بين ابن أم مكتوم وبلال نوب ، فكان بلال في نوبة يؤذن بليل ، وكان ابن أم مكتوم في نوبة يؤذن بليل قال : وإن لم تصح [ ص: 96 ] رواية من روى تقديم أذان ابن أم مكتوم فقد صح خبر ابن عمر وابن مسعود وسمرة وعائشة أن بلالا كان يؤذن بليل والله أعلم . واسم ابن أم مكتوم عمرو بن قيس ، وقيل عبد الله بن زائدة القرشي العامري وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة مرة في غزواته ، وشهد فتح القادسية واستشهد بها في خلافة عمر رضي الله عنه ، واسم أم مكتوم : عاتكة بنت عبد الله

( أما أحكام الفصل ) فلا يجوز لغير الصبح قبل وقتها بلا خلاف لما ذكره قال الشافعي في الأم والأصحاب : لو أوقع بعض كلمات الأذان لغير الصبح قبل الوقت وبعضها في الوقت لم يصح بل عليه استئناف الأذان كله . هذا هو المشهور وقال الشيخ أبو محمد في كتابه الفروق : قال الشافعي رحمه الله : لو وقع بعض كلمات الأذان قبل الزوال وبعضها بعده بني على الواقع في الوقت ، قال : ومراده قوله في آخر الأذان : الله أكبر الله أكبر ، فيأتي بعده بالتكبير مرتين ، ثم الشهادة إلى آخره ولا يحتاج إلى أربع تكبيرات وليس مراده أن غير ذلك يستحب له ، فإن الترتيب واجب ، قال : ولا يضر قوله : لا إله إلا الله بين التكبيرات ; لأنه لو خلل بينها كلاما يسيرا لا يضر ، فالذكر أولى . ونقل الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص عن الأصحاب نحو هذا ، ويجوز للصبح قبل وقتها بلا خلاف ، واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فيه من الليل على خمسة أوجه أصحها - وهو قول أكثر أصحابنا - وبه قطع معظم العراقيين يدخل وقت أدائها من نصف الليل .

( والثاني ) أنه قبيل طلوع الفجر في السحر ، وبه قطع البغوي وصححه القاضي حسين والمتولي وهذا ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم

( والثالث ) يؤذن في الشتاء لسبع يبقى من الليل ، وفي الصيف لنصف سبع نقله إمام الحرمين وآخرون من الخراسانيين ، ورجحه الرافعي على خلاف عادته في التحقيق . [ ص: 97 ]

( والرابع ) أنه يؤذن بعد وقت العشاء المختار ، وهو ثلث الليل في قول ، ونصفه في قول حكاه القاضي حسين وصاحبا الإبانة والتتمة والبيان وغيرهم .

( والخامس ) جميع الليل وقت لأذان الصبح ، حكاه إمام الحرمين وصاحب العدة والبيان وآخرون وهو في غاية الضعف بل غلط . قال إمام الحرمين لولا علو قدر الحاكي له وهو الشيخ أبو علي وأنه لا ينقل إلا ما صح وتنقح عنده لما استجزت نقل هذا الوجه . وكيف يحسن الدعاء لصلاة الصبح في وقت الدعاء إلى المغرب ، والسرف في كل شيء مطرح ؟ هذا كلام الإمام والظاهر أن صاحب هذا القول لا يقوله على الإطلاق الذي ظنه إمام الحرمين بل إنما يجوزه بعد مضي صلاة العشاء الآخرة وقطعة من الليل .

وأما الوجه الذي نقله الخراسانيون أنه يؤذن في الشتاء لسبع يبقى ، وفي الصيف لنصف سبع ، فهو أيضا تقييد باطل ، وكأنهم بنوه على حديث باطل نقله الغزالي وغيره عن سعد القرظ الصحابي قال { كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشتاء لسبع يبقى من الليل ، وفي الصيف لنصف سبع } وهذا الحديث باطل غير معروف عند أهل الحديث . وقد رواه الشافعي في القديم بإسناد ضعيف عن سعد القرظ قال { أذنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بقباء ، وفي زمن عمر رضي الله عنه بالمدينة فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف يبقى من الليل ، وفي الصيف لسبع يبقى منه } وهذا المنقول مع ضعفه مخالف لقول صاحب هذا الوجه فالصحيح اعتبار نصف الليل كما سبق والله أعلم . وأما الإقامة فلا يصح تقديمها على وقت الصلاة ، ولا على إرادة الدخول فيها ولا بد من هذين الشرطين ، وهما دخول الوقت وإرادة الدخول في الصلاة .

فإن أقام قبيل الوقت بجزء لطيف بحيث دخل الوقت عقب الإقامة ثم شرع في الصلاة عقب ذلك لم تصح إقامته ، وإن كان ما فصل بينها وبين الصلاة لكونها وقعت قبل الوقت ، وقد نص في الأم على هذا ، وإن أقام في الوقت وأخر الدخول في الصلاة بطلت إقامته إن طال الفصل ; لأنها تراد للدخول في الصلاة فلا يجوز الفصل والله أعلم . [ ص: 98 ] فرع ) قال أصحابنا : السنة أن يؤذن للصبح مرتين ، إحداهما قبل الفجر ، والأخرى عقب طلوعه لقوله صلى الله عليه وسلم { إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم } والأفضل أن يكونا مؤذنان ، يؤذن واحد قبل الفجر والآخر بعده ، فإن اقتصر على أذان واحد جاز أن يكون قبل الفجر وأن يكون بعده ، وجاز أن يكون بعض الكلمات قبل الفجر وبعضها بعده إذا لم يطل بينهما فصل ، وإذا اقتصر على أذان واحد فالأفضل أن يكون بعد الفجر على ما هو المعهود في سائر الصلوات ، والله أعلم . ( فرع ) في مذاهب العلماء في الأذان للصبح وغيرها أما غيرها فلا يصح الأذان لها قبل وقتها بإجماع المسلمين ، نقل الإجماع فيه ابن جرير وغيره .

وأما الصبح فقد ذكرنا أن مذهبنا جوازه قبل الفجر وبعده ، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو يوسف وأبو ثور وأحمد وإسحاق وداود وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد لا يجوز قبل الفجر . وحكى ابن المنذر عن طائفة أنه يجوز أن يؤذن قبل الفجر إن كان يؤذن بعده ، واحتج لأبي حنيفة وموافقيه بحديث ابن عمر رضي الله عنهما { أن بلالا رضي الله عنه أذن قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام ثلاثا } دليلنا حديث ابن عمر رضي الله عنه أن بلالا " يؤذن بليل " وهو في الصحيحين كما سبق ، وفي الصحيح أحاديث كثيرة بمعناه . وأما حديث ابن عمر الذي احتجوا به ، فرواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وضعفوه . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث