الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ويجوز الكلام قبل أن يبتدئ بالخطبة ; لما رويناه من حديث ثعلبة بن أبي مالك ، ويجوز إذا جلس الإمام بين الخطبتين ، وإذا نزل من المنبر قبل أن يدخل في الصلاة ; لما روى أنس قال " { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوم الجمعة من المنبر فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي } ولأنه ليس بحال صلاة ولا حال استماع فلم يمنع من الكلام ، وإذا بدأ الخطبة أنصت ; لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من توضأ فأحسن الوضوء ثم أنصت للإمام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام } وهل يجب الإنصات ؟ فيه قولان : ( أحدهما ) : يجب ; لما روى جابر قال " { دخل ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبي فسأله عن شيء فلم يرد عليه ، فسكت حتى صلى النبي صلى الله عليه وسلم ما منعك أن ترد علي ؟ فقال : إنك لم تشهد معنا الجمعة ، قال ولم ؟ قال ; لأنك تكلمت والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقام ابن مسعود ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ، فقال صدق أبي [ وأطع أبيا } ] ( والثاني ) : يستحب وهو الأصح .

لما روى [ ص: 430 ] أنس قال : { دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال : متى الساعة ؟ فأشار الناس إليه أن اسكت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الثالثة : ما أعددت لها ؟ قال : حب الله ورسوله ، قال : إنك مع من أحببت } فإن رأى رجلا [ ضريرا ] يقع في بئر أو رأى عقربا تدب إليه لم يحرم عليه كلامه قولا واحدا ; لأن الإنذار يجب لحق الآدمي ، والإنصات لحق الله - تعالى - ومبناه على المسامحة ، وإن سلم عليه رجل أو عطس ، فإن قلنا : يستحب الإنصات رد السلام وشمت العاطس ، وإن قلنا : يجب الإنصات لم يرد السلام ، ولم يشمت العاطس ; لأن المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه ، وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الإنصات الواجب ، ومن أصحابنا من قال : لا يرد السلام ; لأن المسلم مفرط ; ويشمت العاطس ; لأن العاطس غير مفرط في العطاس وليس بشيء ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ثعلبة سبق ، بيانه قريبا ، وحديث أنس ضعيف رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وضعفوه ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يكلم في الحاجة إذا نزل من المنبر يوم الجمعة } ونقل الترمذي عن البخاري أنه ضعفه .

وحديث أبي هريرة رواه مسلم ولفظه { من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ، ومن مس الحصى فقد لغا } .

وأما حديث جابر في قصة ابن مسعود وأبي بن كعب فرواه البيهقي في السنن الكبير عن أبي ذر قال { دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلست قريبا من أبي بن كعب ، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة براءة فقلت لأبي : متى نزلت هذه السورة ؟ فلم يكلمني } وذكر الحديث بمعناه أو بلفظه المذكور في المهذب .

وقال في آخره : " فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق أبي " قال البيهقي وروي عن أبي الدرداء وأبي وجعلت القصة بينهما ، وروي عن جابر بن عبد الله فذكر معنى هذه القصة بين ابن مسعود وأبي ، قال ورواه عكرمة عن ابن عباس فجعل معنى القصة بين رجل غير مسمى وبين ابن مسعود ، وجعل المصيب ابن مسعود .

قال البيهقي : وليس في الباب أصح من الحديث الذي ذكرناه أولا .

وقال البيهقي في كتاب المعرفة نحو هذا ، وزاد فقال : وروينا في كتاب السنن بإسناد صحيح عن أبي ذر أنه قال ذلك لأبي .

وأما حديث أنس الأخير فرواه البيهقي بلفظه بإسناد صحيح ، ورواه غيره بمعناه .

[ ص: 431 ] أما ألفاظ الفصل ) فيقال أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات سبق بيانهن أفصحهن أنصت ، قال الأزهري : ويقال أنصته وأنصت له ، وسبق الفرق بين الاستماع والإنصات في الباب الذي قبل هذا .

( وقوله ) لم تشهد معنا الجمعة أي جمعة كاملة أو شهودا كاملا ( قوله ) عقربا تدب - هو بكسر الدال - قال الخطابي في الحديث : كانت كفارة ; لما بينها وبين الجمعة التي قبلها وزيادة ثلاثة أيام ; قال : معناه ما بين الساعة التي يصلي فيها الجمعة ومثلها من الجمعة الأخرى لتكون الجملة عشرة ، وذكر المصنف تشميت العاطس وهو بالشين المعجمة وبالمهملة لغتان فصيحتان مشهورتان .

قال أبو عبيد : المعجمة أفصح ، وقال ثعلب والأزهري : المهملة أفصح ، وسمته وشمته ، وهو بالمهملة مشتق من السمت ، وهو القصد والاستقامة .

( أما الأحكام ) فقد سبق بيان الكلام في حال الخطبة وقبلها وبعدها ، وما يتعلق به من الفروع مبسوطا واضحا في آخر الباب الأول ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه لا بأس بالكلام بعد خروج الإمام وجلوسه على المنبر ما لم يشرع في الخطبة ، وبهذا قال جمهور العلماء ; وهو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم ، لحديث ثعلبة المذكور هنا .

وقال أبو حنيفة : يكره الكلام من حين يخرج الإمام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث