الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 1280 ) مسألة : قال : ( وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة ، أتم ) المشهور عن أحمد - رحمه الله - أن المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها ، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة . رواه الأثرم ، والمروذي ، وغيرهما ، وعنه أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم ، وإن نوى دونها قصر .

وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأبي ثور ; لأن الثلاث حد القلة ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : { يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثا } . ولما أخلى عمر رضي الله عنه أهل الذمة ، ضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا ، فدل على أن الثلاث في حكم السفر ، وما زاد في حكم الإقامة . ويروى هذا القول عن عثمان رضي الله عنه . وقال الثوري ، وأصحاب الرأي : إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم ، وإن نوى دون ذلك قصر .

وروي ذلك عن ابن عمر ، وسعيد بن جبير ، والليث بن سعد ; لما روي عن ابن عمر ، وابن عباس ، أنهما قالا : إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة . ولا يعرف لهم مخالف . وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول . وروى عنه قتادة ، قال : إذا أقمت أربعا فصل أربعا . وروي عن علي رضي الله عنه قال : يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ، ويقصر الصلاة الذي يقول : أخرج اليوم ، أخرج غدا ، شهرا .

وهذا قول محمد بن علي وابنه والحسن بن صالح . وعن ابن عباس قال : إذا قدمت بلدة ، فلم تدر متى تخرج ، فأتم الصلاة ، وإن قلت : أخرج اليوم ، أخرج غدا . فأقمت عشرا ، فأتم الصلاة . وعنه ، أنه قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين . قال ابن عباس : فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين ، وإذا زدنا على ذلك أتممنا . } رواه البخاري

وقال الحسن : صل [ ص: 66 ] ركعتين ركعتين ، إلى أن تقدم مصرا ، فأتم الصلاة وصم . وقالت عائشة : إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة . وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا . ولنا ، ما روى أنس ، قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فصلى ركعتين حتى رجع ، وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة } . متفق عليه .

وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع ، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن ، } فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام ، وقد أجمع على إقامتها . قال : فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر ، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم .

قال الأثرم : وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر . فقال : هو كلام ليس يفقهه كل أحد . وقوله : أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة فقال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة . ثم قال : وثامنة يوم التروية ، وتاسعة وعاشرة . فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى ، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا .

فهذه أربعة أيام ، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر ، فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر ، وهي تزيد على أربعة أيام ، وهذا صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام .

وقول أصحاب الرأي : لم نعرف لهم مخالفا في الصحابة ، غير صحيح ، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم ، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه . رواه سعيد في سننه ، ولم أجد ما حكوه عنه فيه .

وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة ، وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الإقامة . قال أحمد : أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة زمن الفتح ; لأنه أراد حنينا ، ولم يكن ثم إجماع المقام . وهذه هي إقامته التي رواها ابن عباس ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث