الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما

جزء التالي صفحة
السابق

( 1419 ) مسألة : قال : ( فإذا سلم خطب بهم خطبتين ، يجلس بينهما ، فإن كان فطرا حضهم على الصدقة ، وبين لهم ما يخرجون ، وإن كان أضحى يرغبهم في الأضحية ، ويبين لهم ما يضحى به ) وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة ، لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين ، إلا عن بني أمية .

وروي عن عثمان ، وابن الزبير أنهما فعلاه ، ولم يصح ذلك عنهما ، ولا يعتد بخلاف بني أمية ; لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ، ومخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، وقد أنكر عليهم فعلهم ، وعد بدعة ومخالفا للسنة ، فإن ابن عمر قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة } . متفق عليه . وروى ابن عباس مثله . رواه مسلم . ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ، وروى طارق بن شهاب قال : قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل ، فقال : خالفت السنة ، كانت الخطبة بعد الصلاة . فقال : ترك ذاك يا أبا فلان . فقام أبو سعيد ، فقال : أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه ، قال لنا رسول الله : صلى الله عليه وسلم { من رأى منكم منكرا فلينكره بيده ، فمن لم يستطع فلينكره بلسانه ، فمن لم يستطع فلينكره بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . } . رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق . ورواه مسلم في صحيحه ، ولفظه : " فليغيره " .

فعلى هذا من خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب ; لأنه خطب في غير محل الخطبة ، أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة . إذا ثبت هذا فإن صفة الخطبتين كصفة خطبتي الجمعة ، إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات ، والثانية بسبع متواليات .

قال القاضي : وإن أدخل بينهما تهليلا أو ذكرا فحسن . وقال سعيد : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات ، ثم يخطب ، وفي الثانية سبع تكبيرات ، ويستحب أن يكثر التكبير في أضعاف خطبته .

[ ص: 122 ] وروى سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر بين أضعاف الخطبة ، يكثر التكبير في خطبتي العيدين } . رواه ابن ماجه

، فإذا كبر في أثناء الخطبة كبر الناس بتكبيره .

وقد روي عن أبي موسى أنه كان يكبر يوم العيد على المنبر اثنتين وأربعين تكبيرة ، ويجلس بين الخطبتين ; لما روى ابن ماجه ، بإسناده ، عن جابر ، قال : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى ، فخطب قائما ، ثم قعد قعدة ، ثم قام . } ويجلس عقيب صعوده المنبر . وقيل : لا يجلس عقيب صعوده ; لأن الجلوس في الجمعة للأذان ، ولا أذان هاهنا . فإن كان في الفطر أمرهم بصدقة الفطر ، وبين لهم وجوبها ، وثوابها ، وقدر المخرج ، وجنسه ، وعلى من تجب ، والوقت الذي يخرج فيه . وفي الأضحى يذكر الأضحية ، وفضلها ، وأنها سنة مؤكدة ، وما يجزئ فيها ، ووقت ذبحها ، والعيوب التي تمنع منها ، وكيفية تفرقتها ، وما يقوله عند ذبحها ;

لما روي عن أبي سعيد قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ، فأول ما يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس ، والناس جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم ، وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه ، أو يأمر بشيء أمر به ، ثم ينصرف } .

رواه البخاري ، وروى مسلم نحوه . وعن جابر ، قال : { شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكئا على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ، ووعظ الناس فذكرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن } . متفق عليه .

وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو شاة لحم عجله لأهله ، ليس من النسك في شيء ، ومن ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة المسلمين } . ( 1420 ) فصل : والخطبتان سنة ، لا يجب حضورها ولا استماعها ; لما روى عبد الله بن السائب قال : { شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد ، فلما قضى الصلاة ، قال : إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب } . رواه النسائي ، وابن ماجه ، ورواه أبو داود ، وقال : هو مرسل .

وإنما أخرت عن الصلاة - والله أعلم - لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها ، من تركها ، بخلاف خطبة الجمعة . والاستماع لها أفضل .

وقد روي عن الحسن ، وابن سيرين ، أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب . وقال إبراهيم : يخطب الإمام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن . وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس لاستماع الخطبة ، لئلا يختلطن بالرجال . وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته ، دليل على أنهن لم ينصرفن قبل فراغه ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع .

( 1421 ) فصل : ويستحب أن يخطب قائما ; لما روى جابر ، قال : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى ، فخطب قائما ، ثم قعد ثم قام } ، رواه ابن ماجه . ولأنها خطبة عيد ، فأشبهت خطبة الجمعة . وإن خطب قاعدا فلا بأس ; لأنها غير واجبة ، فأشبهت صلاة النافلة . وإن خطب على راحلته فحسن .

قال سعيد حدثنا هشيم ، [ ص: 123 ] حدثنا حصين ، حدثنا أبو جميلة ، قال : رأيت عليا صلى يوم عيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم خطب على دابته ، ورأيت عثمان بن عفان يخطب على راحلته ، ورأيت المغيرة بن شعبة يخطب على راحلته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث