الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة صيام عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين

جزء التالي صفحة
السابق

( 2133 ) مسألة : قال ( وصيام عاشوراء كفارة سنة ، ويوم عرفة كفارة سنتين ) وجملته أن صيام هذين اليومين مستحب ; لما روى أبو قتادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { صيام عرفة : إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده } وقال في صيام عاشوراء : { إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله } . أخرجه مسلم .

إذا ثبت هذا فإن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم . وهذا قول سعيد بن المسيب ، والحسن ; لما روى ابن عباس ، قال : { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم } . رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . وروي عن ابن عباس ، أنه قال : التاسع وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع } . أخرجه مسلم بمعناه . وروى عنه عطاء ، أنه قال : { صوموا التاسع والعاشر ، ولا تشبهوا باليهود ، } إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر لذلك . نص عليه أحمد . وهو قول إسحاق .

قال أحمد : فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام . وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر . ( 2134 )

فصل : واختلف في صوم عاشوراء ، هل كان واجبا ؟ فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجبا . وقال : هذا قياس المذهب . واستدل بشيئين ; أحدهما ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يأكل } بالصوم ، والنية في الليل شرط في الواجب . والثاني : أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول : إن هذا يوم عاشوراء ، لم يكتب الله عليكم صيامه ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر } . وهو حديث صحيح .

وروي عن أحمد ، أنه كان مفروضا ; لما روت عائشة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه ، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة ، وترك عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه } . وهو حديث صحيح . وحديث معاوية محمول على أنه أراد : ليس هو مكتوبا عليكم الآن .

وأما تصحيحه بنية من النهار ، وترك الأمر بقضائه ، فيحتمل أن نقول : من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه . كما قلنا في من أسلم وبلغ في أثناء يوم من رمضان . على أنه قد روى أبو داود { أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا . قال : فأتموا بقية يومكم ، واقضوه } . [ ص: 58 ]

( 2135 ) فصل : فأما يوم عرفة : فهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، سمي بذلك ، لأن الوقوف بعرفة فيه . وقيل : سمي يوم عرفة ، لأن إبراهيم عليه السلام أري في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه ، فأصبح يومه يتروى ، هل هذا من الله أو حلم ؟ فسمي يوم التروية ، فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضا فأصبح يوم عرفة ، فعرف أنه من الله ، فسمي يوم عرفة . وهو يوم شريف عظيم ، وعيد كريم ، وفضله كبير . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن صيامه يكفر سنتين . } ( 2136 )

فصل : وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل فيها ، ويستحب الاجتهاد في العبادة فيها ; لما روى ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر . قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، فلم يرجع من ذلك بشيء } . وهو حديث حسن صحيح .

وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما من أيام أحب إلى الله عز وجل أن يتعبد له فيها ، من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة ، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر } . وهذا حديث غريب ، أخرجه الترمذي . وروى أبو داود ، بإسناده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ، ويوم عاشوراء } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث