الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة عدة المستحاضة التي لا يتميز دمها ولا تعرف أيام حيضتها

جزء التالي صفحة
السابق

1993 - مسألة : وأما المستحاضة التي لا يتميز دمها ولا تعرف أيام حيضتها ؟ فإن كانت مبتدأة لم يكن لها أيام حيض قبل ذلك بعدتها : فعدتها ثلاثة أشهر ، لأنها لم يصح منها حيض قط ، فهي من اللائي لم يحضن ، فإن كانت ممن كان لها حيض معروف فنسيته ، أو نسيت مقداره ووقته فعليها أن تتربص مقدارا توقن فيه أنها قد أتمت ثلاثة أطهار وحيضتين ، وصارت في الثالثة ، ولا بد .

فإذا مضى المقدار المذكور فقد حلت ; لأنها من ذوات الأقراء - بلا شك - فعليها إتمام ثلاثة قروء - ، وأما إذا تميز دمها فأمرها بين إذا رأت الدم الأسود فهو حيض ، وإذ رأت الأحمر ، أو الصفرة فهو طهر .

وكذلك التي لا يتميز دمها إلا أنها تعرف أيامها فإنها تعتد إذا جاءت أيامها التي كانت تحيض فيها حيضا ، وبأيامها التي كانت تطهر فيها طهرا .

وقد ذكرنا برهان ذلك - : في " كتاب الحيض " في " الطهارة " من ديواننا هذا فأغنى عن إعادته ، وهي أخبار ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا .

وأما المستريبة - فإن كانت عدتها بالأقراء أو بالشهور فأتمتها إلا أنها تقدر أنها حامل وليست موقنة بذلك ، ولا بأنها ليست حاملا ؟ فهذه امرأة لم توقن أنها من ذوات الأقراء قطعا ، ولا توقن أنها من ذوات الشهور [ ص: 51 ] حتما ، ولا توقن أنها من ذوات الأحمال بتلا ؟ هذه صفتها - بلا شك - نعلم ذلك حسا ومشاهدة .

فإذ هي كذلك فلا بد لها من التربص حتى توقن أنها حامل فتكون عدتها وضع حملها ، أو توقن أنها ليست حاملا فتتزوج إن شاءت إذا أيقنت أنها لا حمل بها ; لأنها قد تمت عدتها المتصلة بما أوجبها الله تعالى من الطلاق - إما الأقراء وإما الشهور - وبالله تعالى التوفيق .

، وأقصى ما يكون التربص من آخر وطء وطئها زوجها خمسة أشهر ، فلا سبيل إلى أن تتجاوزها إلا وهي موقنة بالحمل ، أو ببطلانه ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه بعد أربعة أشهر ينفخ فيه الروح ، وإذا نفخ فيه الروح فهو حي إذا كان حيا فلا بد له - ضرورة - من حركة .

وأما المختلفة الأقراء - فلا بد لها من تمام أقرائها بالغة ما بلغت لا حد لذلك ; لأن الله تعالى أوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء ، ولم يجعل الله تعالى لذلك حدا محدودا { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } فإن حاضت حيضة ثم لم تحض ، أو حاضت حيضتين ثم لم تحض ، أو انتظرت الحيضة الأولى فلم تأتها بعد أن كانت قد حاضت في عصمة زوجها ; أو قبلها .

فلا بد لهؤلاء كلهن من التربص أبدا حتى يحضن تمام ثلاث حيض كما أمر الله عز وجل ، أو حتى يصرن في حد اليأس من [ ص: 52 ] المحيض ، فإذا صرن فيه استأنفن ثلاثة أشهر - ولا بد - لأن الله تعالى لم يجعل العدة ثلاثة أشهر إلا على اللواتي لم يحضن ، وعلى اليائسات من المحيض ؟ وهذه ليست واحدة منهما ، فإذا صارت من اليائسات فحينئذ دخلت في أمر الله تعالى لها بالعدة بثلاثة أشهر - هذا نص كلام الله عز وجل وحكمه - والحمد لله رب العالمين .

وفيما ذكرنا اختلاف - : روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن حبان بن منقذ طلق امرأته - وهو صحيح - وهي ترضع فمكثت سبعة أشهر لا تحيض يمنعها الرضاع الحيض ، ثم مرض حبان بعد أن طلقها بأشهر ؟ فقالوا له : إنها ترثك إن مت ؟ فأمر أن يحمل إلى عثمان ؟ فحمل إليه ، فذكر له شأن امرأته - وعنده علي بن أبي طالب ، وزيد بن ثابت ، فسألهما عثمان ؟ فقالا جميعا : نرى أن ترثه إن مات ، وأنه يرثها إن ماتت ، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ، ولا من الأبكار اللائي لم يحضن .

أنا يونس بن عبد الله أنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم أنا أحمد بن خالد أنا محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن بشار أنا يحيى بن سعيد القطان عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين : أن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود قالا جميعا في الشابة تطلق فلا تحيض : إنها تنتظر حتى تيأس من المحيض .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري ، ومعمر ، كلاهما عن منصور بن المعتمر ، وحماد بن أبي سليمان ، كلاهما عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه طلق امرأته تطليقة أو تطلقتين ، ثم ارتفعت حيضتها ستة عشر شهرا ثم ماتت ؟ فقال له عبد الله بن مسعود : حبس الله عليك ميراثها ، وورثه منها - هذا في غاية الصحة عن ابن مسعود .

[ ص: 53 ] وقد روينا هذا بعينه عن ابن عباس ، وابن عمر ، إلا أنه من طريق ابن وهب عن ابن سمعان .

ومن طريق محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن المثنى أنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، قال : سألت منصور بن المعتمر عمن طلق امرأته فحاضت حيضة ثم يئست من المحيض ؟ قال : تستأنف العدة حينئذ بثلاثة أشهر . قال : وسألته عن امرأة شابة طلقت فلم تحض من مرض أو ارتفع حيضها ؟ قال : تعتد بالحيض ما كان . وسألته عن جارية حاضت حيضة وطلقت فلم تحض سنتين ؟ قال عدتها الحيض ما كان .

ومن طريق ابن وهب أنا عقبة بن نافع عن خالد بن يزيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سأل عن مطلقة لا تحيض في السنة إلا مرة ؟ قال : أقراؤها ما كانت .

ومن طريق ابن وهب عن مالك عن الزهري مثل ذلك .

ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن أبي الزناد قال : ينبغي لها أن تعتد ثلاث حيض - ولو كانت في عشرين سنة - إذا كانت تحيض ولها شباب . ومن طريق وكيع عن الربيع بن صبيح ، ويزيد بن إبراهيم - هو التستري - عن الحسن البصري قال : تعتد بالحيض ، وإن كانت لا تحيض في السنة إلا مرة .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال عطاء : تعتد أقراءها ما كانت تقاربت أو تباعدت .

- وقال ابن جريج : وهو قول عبد الكريم - قال عطاء : فإن وجدت في بطنها كالحشة لا تدري أفي بطنها ولد أم لا ؟ فلا تعجل بنكاح حتى تستبين أنه ليس في بطنها ولد .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : إذا كانت تحيض فعدتها على حيضتها ، تقاربت أو تباعدت .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه كان يقول : تعتد أقراءها ما كانت .

[ ص: 54 ] ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن داود بن أبي هند عن الشعبي في المرأة تحيض حيضا مختلفا أن عدتها الحيض ، وإن لم تحض في كل سنة إلا مرة .

ومن طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أنا عبيدة عن إبراهيم قال : إذا كانت تحيض فعدتها بالحيض - وإن حاضت في كل سنة مرة .

ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار في التي لا تحيض في السنة إلا مرة ؟ قال : أقراؤها ما كانت .

وهو قول أبي حنيفة ، وسفيان الثوري ، والشافعي ، وأبي سليمان ، وأصحابهم ، وأبي عبيد - وقاله الليث في المختلفة الأقراء .

قال أبو محمد : فكل هؤلاء يقولون مثل قولنا ، وههنا قول ثان - كما روينا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : قال عمر بن الخطاب أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ، ثم رفعت حيضتها " ، فإنها تنتظر تسعة أشهر ، فإن بان بها حمل فذلك ، وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثم حلت .

وصح مثل هذا عن الحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ومن طريق مالك عن ابن شهاب - هو الزهري - عن سعيد بن المسيب مثل قول عمر في المستحاضة تعتد سنة .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال : إذا كانت في الأشهر مرة - يعني الحيض - فعدتها سنة .

وقول ثالث - كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة أنه سئل عن التي تحيض فيكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها ؟ قال : تعتد ثلاثة أشهر وهي الريبة ، التي قال الله عز وجل : { إن ارتبتم } قضى بذلك ابن عباس ، وزيد بن ثابت .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن طاوس قال : إذا كانت تحيض حيضا مختلفا أجزأ عنها أن تعتد ثلاثة أشهر .

[ ص: 55 ] من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عكرمة قال : إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر ، قال قتادة : تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر .

ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد قال : إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر .

قال أبو محمد : اختلف ابن جريج ، وسفيان بن عيينة : على عمرو بن دينار في هذا ؟ كما أوردنا ، فذكر سفيان عن جابر بن زيد : ثلاثة أشهر - وعن طاوس : أقراؤها ما كانت .

وذكر ابن جريج عن جابر بن زيد : أقراؤها ما كانت - وعن طاوس : ثلاثة أشهر .

وأما المتأخرون - فإن الليث بن سعد قال : عدة المستحاضة في الطلاق والوفاة سنة .

وقال الأوزاعي : إن ارتفع حيض المطلقة ثلاثة أشهر اعتدت سنة .

وقال أحمد ، وإسحاق : عدة المستحاضة الأقراء ، إن عرفت أوقاتها وإلا فسنة .

وقال مالك : إن لم تحض المطلقة تسعة أشهر متصلة استأنفت عدة ثلاثة أشهر ، فإن أتمتها ، ولم تحض فقد تمت العدة ، وحلت للأزواج - وإن حاضت قبل تمامها عدت كل ذلك قرءا واحدا ثم تنتظر الحيض ، فإن لم تحض تسعة أشهر استأنفت عدة ثلاثة أشهر ، فإن لم تحض حتى تتمها تمت عدتها ، وإن حاضت فيها عدت كل ذلك قرءا ثانيا ثم تنتظر تسعة أشهر ، فإن لم تحض اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت فيها أو أتمتها دون أن ترى حيضا فقد تمت عدتها .

قال أبو محمد : كل هذه الأقوال لا حجة لتصحيحها من قرآن ، ولا من سنة ، ولا رواية ضعيفة ، ولا قياس ، ولا رأي يصح ، ولا رواية تصح عن صاحب ، إنما جاء في ذلك الرواية التي ذكرنا عن عمر ، مع أنها لا تصح ; لأن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر إلا نعيه النعمان بن مقرن .

وقد روينا عن عمر خلاف ذلك كما أوردنا آنفا فما الذي جعل إحدى الروايتين عنه أولى من الأخرى .

[ ص: 56 ] وقال مالك : إنما تبتدي بتربص التسعة الأشهر من حين ارتفعت حيضتها ، لا من حين طلقها زوجها ، إلا التي رفعتها حيضتها إثر طلاقها ، فهذه تعتد التسعة الأشهر من حين طلقت .

قال : والمستحاضة - كذلك عدتها سنة - الحرة والأمة سواء - وكذلك التي ارتفع حيضها من مرض - الأمة والحرة سواء - قال : وأما التي ارتفع حيضها من أجل الرضاع - فإنها بخلاف ذلك ، ولا تتم عدتها إلا بتمام ثلاثة أقراء كائنة ما كانت .

قال : وأما المرتابة - فإنها تقيم حتى تذهب الريبة أو يصح الحمل ، قال : وأقصى تربصها تسعة أشهر .

قال أبو محمد : هذه تقاسيم لا تحفظ عن أحد قبله .

فإن شغبوا بالرواية التي هي عن علي ، وزيد بحضرة عثمان ؟ قلنا : لم يقولوا إن ذلك من أجل الرضاع ; إنما بينوا أنها ليست من اللائي لم يحضن ، ولا من اللائي لم ييأسن من المحيض ، فلا يحل أن يقولوا ما لم يقولوا - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث