الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المعتدة من وفاة تجتنب الكحل

جزء التالي صفحة
السابق

1996 - مسألة : وفرض على المعتدة من الوفاة أن تجتنب الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة - ولو ذهبت عيناها - لا ليلا ولا نهارا - ، وأما الضماد - فمباح لها .

وتجتنب أيضا فرضا : كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس ، أو على الجسد ، أو على شيء منه ، سواء في ذلك السواد ، والخضرة ، والحمرة والصفرة ، وغير ذلك - إلا العصب وحده - وهي : ثياب موشاة تعمل باليمن ، فهو مباح لها .

وتجتنب أيضا فرضا : الخضاب كله ، فلا تقربه كله جملة .

وتجتنب الامتشاط حاش بالمشط فقط ، فهو حلال لها .

وتجتنب أيضا فرضا - الطيب كله فلا تقربه حاشا شيئا من قسط ، أو إظفار عند طهرها فقط .

ومباح لها : أن تلبس بعد ذلك ما شاءت من حرير أبيض ، أو أصفر من لونه الذي لم يصبغ ، وصوف البحر الذي هو لونه ، والقطن الأبيض ، والكتان الأبيض من دبق مضر ، والمروي ، وغير ذلك .

ومباح لها : أن تلبس المنسوج بالذهب - والحلي كله : من الذهب ، والفضة ، والجوهر والياقوت ، والزمرد ، وغير ذلك .

[ ص: 64 ] وتدخل الحمام ، وتغسل رأسها بالخطمي ، والطفل فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط .

برهان ذلك - : ما حدثناه أحمد بن قاسم أنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم أنا جدي قاسم بن أصبغ أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن كثير العبدي أنا سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي بكر ، ، وأيوب بن موسى ، ويحيى بن سعيد الأنصاري كلهم عن حميد بن نافع { عن زينب بنت أم سلمة أن ابنة النحام توفي عنها زوجها ، فأتت أمها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تشتكي عينها أفأكحلها ؟ قال : لا قالت : إني أخشى أن تنفقئ عينها ؟ قال : وإن انفقأت } وذكرت الخبر .

قال أبو محمد : زينب لها صحبة وقد ذكرناه قبل هذا عن زينب عن أمها أم المؤمنين رضي الله عنها .

ومن طريق أحمد بن شعيب أنا حسين بن محمد الزارع البصري أنا خالد بن الحارث أنا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمتشط ، ولا تمس طيبا إلا عند طهرها حين تطهر : نبذة من قسط وأظفار } .

ومن طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور المكي أنا سفيان أنا عاصم عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج ولا تكتحل ولا تختضب ولا تلبس ثوبا مصبوغا } .

[ ص: 65 ] فهذه هي الآثار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جامعة لكل ما ذكرنا - وههنا - آثار لا تصح ، ننبه عليها - إن شاء الله تعالى لئلا يخطئ بها من لا يعرف .

وههنا - : منها خبر من طريق إبراهيم بن طهمان حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { المتوفى عنها زوجها : لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي } . قال أبو محمد : في هذا الخبر ذكر الحلي ،

ولا يصح لأن إبراهيم بن طهمان ضعيف ، ولو صح لقلنا به .

والإحداد واجب على الذمية - لقول الله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ، وبقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } والدين الحكم .

فواجب أن يحكم عليهم بحكم الإسلام ، وهو لازم لهم ، وبتركهم إياه استحقوا الخلود - ومن قال : إنه لا يلزمهم دين الإسلام : فقد فارق الإسلام .

ويلزم الإحداد الأمة المتوفى عنها زوجها كالحرة .

ومن الآثار التي ذكرنا - : أثر رويناه من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال : سمعت المغيرة بن الضحاك يقول : { أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي عنها فأرسلت مولاتها إلى أم سلمة أم المؤمنين تسألها عن كحل الجلاء ؟ فقالت : لا تكتحل به إلا لأمر لا بد منه يشتد عليك وتمسحينه بالنهار فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل علي حين توفي أبو سلمة - وقد جعلت على عيني صبرا ؟ فقال : ما هذا يا أم سلمة ؟ [ ص: 66 ] قلت : يا رسول الله إنما هو صبر ليس فيه طيب ، فقال : إنه يشب الوجه فلا تجعلينه إلا بالليل وتنزعينه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب ؟ قلت : بأي شيء أمتشط يا رسول الله ؟ قال : بالسدر تغلفين به رأسك } . أم حكيم : مجهولة ، وأمها أشد إيغالا في الجهالة .

وجاء في ذلك - : عن الصحابة رضي الله عنهم ، صح عن ابن عمر : لا تكتحل ولا تطيب ، ولا تختضب ، ولا تلبس المعصفر ، ولا ثوبا مصبوغا إلا بردا ، ولا تزين بحلي ، ولا تلبس شيئا تريد به الزينة . ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكي عينها .

وصح عنه أيضا - من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر لا تمس المتوفى عنها زوجها طيبا ، ولا تختضب ولا تكتحل ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا ، إلا ثوب عصب تتجلبب به - وهذا قولنا .

وصح عن أم عطية أن لا تلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العصب ، وأن لا تمس طيبا إلا أدناه في الطهر : القسط ، والأظفار .

وروينا من طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أنا هشام بن حسان عن ابن سيرين ، وحفصة عن أم عطية قالت في المتوفى عنها زوجها ، أنها لا تمس خضابا ، ولا تكتحل بكحل زينة ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا ، ولا تمس من الطيب إلا أدنى الطيب : نبذة من قسط ، وأظفار عند طهرها .

وقد روينا عن أم سلمة - أم المؤمنين - : لا تكتحل وإن انفقأت عيناها .

وهذا قولنا .

وروينا عن ابن عباس أنها تجتنب الطيب والزينة .

[ ص: 67 ] وروينا عن أم سلمة - أم المؤمنين - من طريق عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيلي عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة - أم المؤمنين - المتوفى عنها زوجها : لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا ، ولا تكتحل ، ولا تلبس خاتما ، ولا تختضب ، ولا تطيب .

وعن ابن عباس - أو سعيد بن المسيب - : المتوفى عنها زوجها لا تمس طيبا ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا ، ولا تكتحل ، ولا تلبس الحلي ، ولا تختضب .

ومن طريق لا تصح عن عائشة - أم المؤمنين - لأن فيها ابن لهيعة - : لا تلبس المتوفى عنها معصفرا ، ولا تقرب طيبا ، ولا تكتحل ، ولا تلبس حليا ، وتلبس - إن شاءت - ثياب العصب .

أما التابعون - فصح عن عطاء أن المتوفى عنها لا تلبس صباغا ، ولا حليا وتنهى عن الطيب ، والزينة ، ولا تكتحل بإثمد ، فإن فيه زينة ، ولا تحضض فإن فيه - زعموا - ورسا ، وتكتحل بالصبر - إن شاءت - فإن كان عليها حلي فضة فلا تنزعه - إن شاءت - وإن لم يكن عليها فلا تلبسه تريد به الزينة ، فإن اضطرت إلى الإثمد ، أو الطيب : فلها أن تتداوى به ، وكان يكره الذهب لها ، ولغيرها إلا أن يكون خاتما . قال : ولها أن تمتشط بالحناء ، والكتم . قال : وليس القسط ، والأظفار طيبا ، ولا تزين هودجها - إن ركبت فيه ورأى : المروي ، والهروي زينة - ورأى اللؤلؤ زينة . قال : فإن كان عليها خواتم فضة فيها فصوص يواقيت ، أو غيره : فلها أن تلبسه - قال : فإن توفي زوج الصغيرة فلأهلها أن يزينوها ويطيبوها .

وروي عن سعيد بن المسيب ، وعمرة بنت عبد الرحمن ، وعروة بن الزبير ، وعطاء ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة : أنها لا تلبس حليا ، ولا ثوبا مصبوغا بشيء من الأصباغ .

وصح عن عروة بن الزبير : المتوفى عنها زوجها لا تكتحل ، ولا تختضب ولا تمتشط ، ولا تلبس ثوبا فيه ورس ، أو زعفران ، ولا تلبس الحمرة إلا العصب .

[ ص: 68 ] وصح عن الزهري قال : يكره للمتوفى عنها : العصب والسواد ، ولا تلبس الثياب المصبغة ، ولا تلبس حليا ولا طيبا .

وصح عن إبراهيم النخعي : المتوفى عنها لا تمس الصفرة ، ولا الطيب ، ولا تكتحل بكحل زينة ، لكن بزور ، أو صبر ، إلا أن ترمد فتكتحل .

وصح عن عروة بن الزبير : أن امرأة مات زوجها ، قالت له : ليس لي إلا هذا الخمار - وهو مصبوغ ببقم ؟ فقال : اصبغيه بسواد - .

وأما المتأخرون - فإن أبا حنيفة ، وأصحابه قالوا : تمتنع من الزينة ، والطيب ، والكحل ، والثياب المصبوغة بالورس ، والزعفران ، والعصفر خاصة - ولا تدهن بزيت أصلا ، سواء مطيبا كان أو غير مطيب .

وأباحوا لها الخز الأحمر .

وقال مالك : تجتنب الزينة كلها ، والحلي : الخاتم ، وغيره - ولا تلبس الخز ، ولا العصب ، إلا العصب الغليظ خاصة ، ولا ثوبا مصبوغا إلا بسواد ولا تكتحل أصلا ، ولا تقرب شيئا من الطيب ، ولا دهنا مطيبا بريحان ، أو غيره ، ولا تمتشط بحناء ، ولا بكتم ، ولا بشيء يختمر في الرأس ، لكن بالسدر ، وما أشبهه - وتدهن بالزيت والشيرج .

وقال الشافعي : تجتنب الزينة كلها ، والدهن كله : الزيت ، وغيره ، في الرأس ، وغيره ، ولا تكتحل بما فيه زينة ، ولا بأس بالكحل الذي لا زينة فيه ، فإن اضطرت إلى ما فيه زينة منه جعلته ليلا ، ومسحته نهارا ، كالصبر ، ونحوه .

وتجتنب كل صباغ فيه زينة ، وتلبس البياض ، والمصبوغ بالسواد ، والخضرة المقاربة للسواد ، وما ليس بزينة - وتجتنب الطيب .

قال أبو محمد : كل هذه الأقوال خطأ لا خفاء به ; لأنها ليس بشيء منها برهان يصححه ، لا قرآن ، ولا سنة ، ولا سيما قول أبي حنيفة في تخصيص ما صبغ بورس ، أو زعفران ، أو عصفر خاصة .

وقول مالك في اجتناب العصب إلا الغليظ منه ، وقول الشافعي في تخصيص الأصباغ ، فإنها أقوال لا تعرف عن أحد قبلهم ، ولا معنى لها أصلا .

[ ص: 69 ] فإن قيل : المعنى في الإحداد اجتناب الزينة ؟ قلنا : حاشا لله من ذلك ، والله لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لما عجز عن كلمة واحدة يقولها ، ولا يطول بذكر الصباغ إلا العصب ، وبذكر الطيب إلا القسط ، والأظفار عند الطهر ، خاصة ، وبذكر الكحل ، والامتشاط ، في الاختضاب خاصة ، وهو عليه الصلاة والسلام قد أوتي جوامع الكلم .

ومن الباطل المتيقن - : أن ينسب إليه عليه الصلاة والسلام أنه أراد الزينة فلم يسمها ، ولم يرد إلا بعض الصباغ فسماه عموما - هذا الباطل الذي لا شك فيه ، والكذب المقطوع به ، وكل قول عري من البرهان فهو باطل .

فإن قالوا : إنما قصد بالإحداد الحزن ؟ قلنا : هذا الكذب ، لو كان ذلك لكان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا حزن أوجب من الحزن عليه صلى الله عليه وسلم ثم على الأبوين ، ولو أن امرأة أعلنت بأنها لم تسر قط كسرورها بموت زوجها لما كان عليها في ذلك إثم ، ولا ملامة ، إذ لم تقصر في حقوق التبعل في حياته ، ولو كان للحزن عليه لكان مباحا لها بعد العدة ، والحزن عليه بعد العدة ليس محظورا ، ولا يجوز لها الإحداد أكثر المدة المذكورة .

وههنا قول آخر - كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد أن الحسن البصري كان يقول : المطلقة ثلاثا ، أو المتوفى عنها زوجها يكتحلان ويمتشطان ويطيبان ، ويختضبان ، وينتعلان ، ويضعان ما شاءتا .

ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة أن المتوفى عنها لا تحد .

قال أبو محمد : واحتج أهل هذه المقالة بما - أنا محمد بن سعيد بن نبات أنا أحمد بن عون الله أنا قاسم بن أصبغ أنا محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن بشار أنا محمد بن جعفر أنا شعبة أنا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد بن الهادي { أن رسول [ ص: 70 ] الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة جعفر بن أبي طالب : إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت ، أو إذا كان بعد ثلاثة أيام } شعبة شك .

ومن طريق حماد بن سلمة : أنا الحجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعيد عن عبد الله بن شداد { أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تبكي على جعفر - وهي امرأته - فأذن لها ثلاثة أيام ، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام : أن تطهري واكتحلي . } قال أبو محمد : هذا منقطع ولا حجة فيه ; لأن عبد الله بن شداد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا .

قال علي : ولقد كان يلزم الآخذين بالمرسل إذا وافق آراءهم الفاسدة وردوا به السنن الثابتة : كصلاة الإمام قاعدا لمرض بالأصحاء .

وكإيجاب العدة أن يأخذوا بهذا ، ولا سيما والإحداد روته أم سلمة - أم المؤمنين - : أنه عليه الصلاة والسلام أمر به إثر موت أبي سلمة ، ولا خلاف في أن موت أبي سلمة كان قبل قتل جعفر - رضي الله عنهما - بسنتين - ولكنهما لا يبالون بالتناقض .

قال علي : إن غسل الثوب المصبوغ حتى لا يبقى فيه أثر صباغ فليس مصبوغا : فلها لباسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث