الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وسبب وجوب الحج ما أشار الله تعالى إليه في قوله { حج البيت } فالواجبات تضاف إلى أسبابها ، ولهذا لا يجب في العمر إلا مرة واحدة لأن سببه ، وهو البيت غير متكرر ، والأصل فيه حديث { الأقرع بن حابس رضي الله تعالى عنه حيث قال يا رسول الله الحج في كل عام أم مرة فقال صلى الله عليه وسلم بل مرة فما زاد فتطوع } والوقت فيه شرط الأداء ، وليس بسبب ، ولهذا لا يتكرر بتكرار الوقت إلا أن أركان هذه العبادة متفرقة على الأمكنة ، والأزمنة [ ص: 3 ] فلا يجوز إلا بمراعاة الترتيب فيها ، ولهذا لا يتأدى طواف الزيارة قبل الوقوف كما لا يتأدى السجود في فصل الصلاة قبل الركوع ، والمال شرط يتوصل به إلى الأداء ، ولهذا لا يتحقق الأداء من فقير لا مال له فرضا .

وأركان هذه العبادة الأفعال ، والمال ليس بسبب فيه ، ولكنه معتبر ليتيسر به الوصول إلى مواضع أداء أركانه .

ثم بدأ الكتاب فقال إذا أردت أن تحرم بالحج إن شاء الله اقتد بكتاب الله تعالى في ذكر الاستثناء في قوله تعالى { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله } وقيل : إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى خاطب أبا يوسف رحمه الله تعالى ، والواحد يشك في حالة أنه يحج أو لا يحج فقيد بالاستثناء ، وتفرس فيه أنه يحج فما أخطأت فراسته ( قال ) فاغتسل أو توضأ ، والغسل فيه أفضل . هكذا روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله فاغتسل } رواه خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنه .

وهذا الاغتسال ليس بواجب لما روي { أن أبا بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسماء قد نفست قال مرها فلتغتسل ، ولتحرم بالحج } ، ومعلوم أن الاغتسال الواجب مع النفاس والحيض لا يتأدى فعرفنا أن هذا الاغتسال لمعنى النظافة ، وما كان لهذا المقصود فالوضوء يقوم مقامه كما في العيدين والجمعة ، ولكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أكمل ثم البس ثوبين إزارا ورداء جديدين أو غسيلين هكذا ذكر جابر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم ائتزر وارتدى عند إحرامه } ، ولأن المحرم ممنوع من لبس المخيط ، ولا بد له من ستر العورة فتعين للستر الارتداء والائتزار .

والجديد والغسيل في هذا المقصود سواء غير أن الجديد أفضل { لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه تزين لعبادة ربك }

( قال ) وادهن بأي دهن شئت ، وهو الظاهر من المذهب عندنا أنه لا بأس بأن يتطيب ، ويدهن قبل إحرامه بما شاء .

وروي عن محمد رحمه الله تعالى قال : كنت لا أرى بذاك بأسا حتى رأيت أقواما يحضرون طيبا كثيرا ، ويصنعون شيئا شنعا فكرهت ذلك ، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وقد نقل عن عمر وعثمان رضي الله عنه كراهة ذلك ، وحجة هذا القول حديث { الأعرابي حيث جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة متضمخة أي متلطخة بالخلوق فسأله عن العمرة فلم يجبه حتى نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال : أين السائل عن العمرة فقال الأعرابي : ها أنا ذا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم أما جبتك فانزعها ، وأما الخلوق فاغسله ، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك } فقد أمره بإزالة الطيب عن نفسه عند الإحرام ، ولنا حديث { عائشة رضي الله عنها [ ص: 4 ] قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يزور البيت } .

وفي رواية { كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إحرامه فتطيبوا } .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم متضمخا جباهنا بالمسك ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ، ولا يكرهه } . وتأويل حديث الأعرابي أنه كره الخلوق له لكونه بمنزلة الثوب المورس ، والمزعفر .

ومعنى كراهة محمد رحمه الله تعالى لاستعمال الطيب الكثير أنه بعد الإحرام ربما ينتقل على بدنه من موضع إلى موضع فيكون ذلك بمنزلة التطيب ابتداء بعد الإحرام في الموضع الثاني ، ولكن هذا ليس بقوي فإنه لا تلزمه الكفارة بهذا ، ولو كان بهذه المنزلة لوجب عليه الكفارة ، واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما إذا تطيب بعد إحرامه ، وكفر ثم تحول الطيب مع عرقه من موضع إلى موضع فمنهم من يقول لا تلزمه كفارة جديدة لأن أصل فعله قد انقطع بالتكفير فلا معتبر بأثره كما لو فعله قبل الإحرام ، ومنهم من قال تلزمه كفارة أخرى هنا ; لأن أصل فعله كان محظورا فتحوله من موضع إلى موضع يكون جناية أيضا في حكم الكفارة بخلاف ما قبل الإحرام فإن أصل فعله لم يكن محظورا ، ثم لا معتبر ببقاء الأثر بعد الإحرام إذا كان أصل فعله قبل الإحرام كالحلق ، ثم قال : وصلى ركعتين لحديث عمر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني آت من ربي ، وأنا بالعقيق فقال : صل في هذا الوادي المبارك ركعتين ، وقل لبيك بحجة وعمرة معا } ، وفيما ذكر جابر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه ، ثم قال : وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني } ; لأنه محتاج في أداء أركانه إلى تحمل المشقة ، ويبقى في ذلك أياما فيطلب التيسير من الله تعالى إذ لا يتيسر للعبد إلا ما يسره الله تعالى ، ويسأل القبول كما فعله الخليل ، وإسماعيل صلوات الله عليهما في قولهما : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .

ولم يأمر بمثل هذا الدعاء لمن يريد افتتاح الصلاة ; لأن أداءها يسير عادة ، ولا تطول في أدائها المدة فأما أركان الحج فمتفرقة على الأمكنة والأزمنة ، ولا يؤمن فيها اعتراض الموانع عادة فلهذا أمر بتقديم سؤال التيسير .

( قال ) ثم لب في دبر صلواتك تلك فإن شئت بعدما يستوي بك بعيرك .

والكلام فيه في فصول أحدها في اشتقاق التلبية لغة فقيل : هو مشتق من قولهم ألب الرجل إذا أقام في مكان فمعنى قول القائل لبيك أنا مقيم على طاعتك ، وقيل : هو مشتق من قولهم [ ص: 5 ] داري تلب دارك أي تواجهها فمعنى قوله لبيك اتجاهي لك يا رب ، وقيل : هو مشتق من قولهم امرأة لبة أي محبة لزوجها فمعناه محبتي لك يا رب .

والثاني أن المختار عندنا أن يلبي من دبر صلواته ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول يلبي حين تستوي به راحلته ، وذكر جابر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حين علا البيداء } إلا أن ابن عمر رضي الله عنه رد هذا فقال : { إن بيداءكم هذه تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته } .

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال قلت لابن عباس رضي الله عنه { كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما حج إلا مرة واحدة قال : لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دبر صلواته فسمع ذلك قوم من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فنقلوه ، وكانوا القوم يأتونه أرسالا فلبى حين استوت فسمع تلبيته قوم فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك ، ثم لبى حين علا البيداء فسمعه آخرون فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك ، وايم الله ما أوجبها إلا في مصلاه } .

والثالث أنه لا خلاف أن التلبية جواب الدعاء ، والكلام في أن الداعي من هو فقيل : الداعي هو الله تعالى كما قال الله تعالى { فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } .

وقيل : الداعي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال صلوات الله عليه : إن سيدا بنى دارا واتخذ فيها مأدبة ، وبعث داعيا . وأراد بالداعي نفسه ، والأظهر أن الداعي هو الخليل صلوات الله عليه على ما روي أنه لما فرغ من بناء البيت أمر بأن يدعو الناس إلى الحج فصعد بأبي قبيس ، وقال : ألا إن الله تعالى أمر ببناء بيت له ، وقد بني ألا فحجوه فبلغ الله صوته الناس في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم فمنهم من أجاب مرة ، ومنهم من أجاب مرتين ، وأكثر من ذلك ، وعلى حسب جوابهم يحجون ، وبيان هذا في قوله تعالى { وأذن في الناس بالحج } الآية . فالتلبيبة إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه وسلامه ، ثم صفة التلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في صفة تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أهل اللغة من اختار نصب الألف في قوله إن الحمد ، ومعناه لأن الحمد أو بأن الحمد فأما المختار عندنا : الكسر ، وهو المروي عن محمد رحمه الله تعالى ، ووافقه الفراء ; لأن بكسر الألف يكون ابتداء الثناء ، وبنصب الألف يكون وصفا لما تقدم ، وابتداء الثناء أولى ، ولا بأس عندنا في الزيادة على هذه التلبية بين العلماء اختلاف يأتي في موضعه إن [ ص: 6 ] شاء الله تعالى فظاهر المذهب عندنا أن غير هذا اللفظ من الثناء والتسبيح يقوم مقامه في حق من يحسن التلبية أو لا يحسن ، وكذلك لو أتى به بالفارسية فهو والعربية سواء أما على قول أبي حنيفة فظاهر ; لأنا قد بينا مذهبه في التكبير عند افتتاح الصلوات أن المعتبر ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم ، وإن لفظ الفارسية والعربية فيه سواء فكذلك هنا ومحمد رحمه الله تعالى هناك يقول : لا يتأدى بالفارسية ممن يحسن العربية ، وهنا يتأدى ; لأن غير الذكر هنا يقوم مقام الذكر ، وهو تقليد الهدي فكذلك غير العربية يقوم مقام العربية بخلاف الصلوات ، وبهذا يفرق أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بين التلبية والتكبير عند افتتاح الصلوات . وقد روى الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أن غير التلبية من الأذكار لا يقوم مقام التلبية هنا كما في الصلوات على قوله ، ولا يصير محرما بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية أو ما يقوم مقامها خلافا للشافعي رحمه الله تعالى ، وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .

( قال ) والمستحب رفع الصوت بالتلبية هكذا روى خلاد بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أمرني جبريل عليه السلام أن آمر أمتي أو من معي بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية } ، وقال صلى الله عليه وسلم { أفضل الحج العج والثج } فالعج رفع الصوت بالتلبية ، والثج إراقة الدم ، والمستحب عندنا في الأذكار والدعاء الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان للإعلام ، والخطبة للوعظ ، وتكبيرات الصلوات لإعلام التحرم والانتقال والقراءة لإسماع المؤتم فالتلبية للشروع فيما هو من إعلام الدين فلهذا كان المستحب رفع الصوت به

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث