الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النذر

( قال ) : ولا يصير بالإشعار والتجليل محرما ، وإنما يصير محرما بالتقليد وأصل هذا أن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى ينعقد بمجرد النية وجعل الإحرام قياس الصوم من حيث إنه التزام الكف عن ارتكاب المحظورات ، ومثل هذه العبادة يحصل الشروع فيها بمجرد النية كالصوم ، وعلى قولنا الإحرام قياس الصلاة ; لأن الإحرام لأداء الحج أو العمرة ، وذلك يشتمل على أركان مختلفة كالصلاة فكما لا يصير شارعا في الصلاة بمجرد النية بدون التحريمة فكذلك في الإحرام بخلاف الصوم فإنه ليس للصوم إلا ركن واحد وهو الإمساك ، وذلك معلوم بزمانه [ ص: 139 ] فكان الوقت للصوم معيارا ، ولهذا لا يصح في كل زمان إلا صوم واحد فبعد وجود النية ودخول وقت الأداء لا حاجة إلى مباشرة فعل الأداء فلهذا صار شرعا فيه بمجرد النية ، وهنا الزمان ليس بمعيار للحج ، ولهذا صح أداء النفل في الزمان الذي يؤدى فيه الفرض ، وإنما أداؤه بأفعاله وبمجرد النية لا يصير مباشرا للفعل فلا يصير شارعا في الأداء أيضا ، ولكن لو قلد البدنة بنية الإحرام أو أمر فقلد له وهو ينوي الإحرام صار محرما عندنا .

وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يصير محرما إلا بالتلبية على القول الذي يقول " لا ينعقد الإحرام بمجرد النية " وحجته في ذلك أن الفعل لا يقوم مقام الذكر في التحرم للعبادة كما في الصلاة لما كان الشروع فيها بالتكبير لا يقوم الفعل فيه مقامه حتى لو ركع أو سجد بنية الشروع في الصلاة لا يصير شرعا ولا فرق بينهما ; لأن الهدي نسك في هذه العبادة كالركوع والسجود في الصلاة ، توضيحه أن تقليد الهدي لا يكون أقوى من إراقة دم الهدي وبإراقة دم الهدي على قصد الإحرام لا يصير محرما فكذلك بالتقليد وحجتنا في ذلك قوله تعالى { ولا الهدي ولا القلائد } إلى أن قال { وإذا حللتم فاصطادوا } ، ولم يتقدم ذكر الإحرام ففي قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } إشارة إلى أن الإحرام يحصل بتقليد الهدي ، وذلك مروي عن الصحابة عمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم حتى روي عن قيس بن سعد أنه كان يغسل رأسه فبعد ما غسل أحد شقي رأسه نظر ، فإذا هداياه قد قلدت فقام وترك غسل الشق الآخر ، وقال : أما إن قلدت هذه الهدايا له فقد أحرم . والمعنى فيه أن الحج يشبه الصلاة من وجه والصوم من وجه فمن حيث إنه ليس في أثنائه ذكر مفروض كان مشبها بالصوم ومن حيث إنه يشتمل على أركان مختلفة كان مشبها بالصلاة فيوفر على الشبهين حظهما من الحكم فنقول بشبهه بالصلاة لا يصير شارعا فيه بمجرد النية وبشبهه بالصوم يصير شارعا فيه ، وإن لم يأت بالذكر إذا أتى بفعل يقوم مقام الذكر ، وهذا ; لأن المقصود بالتلبية إظهار إجابة الدعوة وبتقليد الهدي يحصل إظهار الإجابة أيضا وفرق بين التجليل والتقليد ، فقال بالتجليل لا يصير محرما ، وإن نوى ; لأن التجليل لا يختص به ما أعد للقربة فقد تجلل البدنة لا على قصد التقرب بها فلا يكون ذلك دليل الإجابة بخلاف التقليد بالصفة التي ذكرنا فإنه لا يكون إلا عند قصد التقرب فكان إظهارا للإجابة ، وكذلك بالإشعار لا يصير محرما . أما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يشكل ; لأن الإشعار مكروه عنده فكيف يصير [ ص: 140 ] محرما به .

وعندهما الإشعار بمنزلة التجليل فإنه إخراج شيء من الدم من البدنة ، وذلك لا يختص بحال التقرب بها فلم يكن ذلك دليل الإجابة فلهذا لا يصير محرما ثم إذا نوى عند التقليد حجة أو عمرة فهو على ما نوى ; لأن التقليد بمنزلة التلبية ، وإن لم يكن له نية في حجة أو عمرة إنما نوى الإحرام فقط فهو بمنزلة ما لو أتى بنية الإحرام مطلقا ، فإن شاء جعله حجا ، وإن شاء جعله عمرة ، وإن قلد الشاة بنية الإحرام لا يصير محرما لما بينا أن التقليد في الشاة ليس بقربة فلا يصير به محرما ، وإن قلد الهدي وبعث به وهو لا ينوي الإحرام ثم خرج في أثره لم يصر محرما حتى يدرك هديه ، فإذا أدركه وسار معه صار محرما الآن ، والأصل فيه حديث { عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقلدها وبعث بها وأقام بأهله حلالا لا يحرم به ما يحرم على المحرم } فعرفنا أنه لا يصير محرما بمجرد التقليد . والصحابة رضي الله عنهم كانوا مختلفين في هذه المسألة على ثلاثة أقاويل فمنهم من يقول إذا قلدها صار محرما ، ومنهم من قال : إذا توجه في أثرها صار محرما ومنهم من قال : إذا أدركها فساقها صار محرما فأخذنا بالمتيقن من ذلك وقلنا إذا أدركها وساقها صار محرما لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم في هذه الحالة إلا في بدنة المتعة فإنه لا يصير محرما حتى يخرج على أثرها ، وإن لم يدركها استحسانا ، وفي القياس لا يصير محرما حتى يدركها فيسوقها كما في هدي التطوع ، ولكنه استحسن ، فقال : لهدي المتعة نوع اختصاص لبقاء الإحرام بسببه فإن المتمتع إذا ساق الهدي فليس له أن يتحلل من النسكين بخلاف ما إذا لم يسق الهدي وكما كان له نوع اختصاص ببقاء الإحرام فكذلك بابتداء الشروع في الإحرام لهدي المتعة نوع اختصاص ، وذلك في أن يصير محرما بنفس التوجه ، وإن لم يدرك الهدي بخلاف هدي التطوع

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث