الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


. ( قال ) ، وإذا أراد أن يطلقها وهي لا تحيض من كبر أو صغر طلقها واحدة متى شاء عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى ليس له أن يطلقها عقيب الجماع حتى بمضي الشهر لأنه يفصل بين الطلاق والجماع بما يفصل به بين الطلاقين في عدة هي ذات فصول كما في حق ذوات الأقراء ثم هنا يفصل بين طلاقيها بشهر فكذلك يفصل بين طلاقها وجماعها بشهر ولكنا نقول إنها بمنزلة الحامل في أنها لا حيض في عدتها فيباح إيقاع الطلاق عليها عقيب الجماع كما يباح الإيقاع على الحامل وكأن المعنى فيه أن في حق ذوات الأقراء إنما كره إيقاع الطلاق عقيب الجماع لتوهم الحبل وهذا لا يوجد هنا فكان إيقاع الطلاق عليها عقيب الجماع مباحا .

فإذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها بعد شهر آخر ثم بعد شهر آخر وعدتها ثلاثة أشهر من التطليقة الأولى وذلك يتلى في القرآن قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } والمراد الصغيرة ولا خلاف أن الإيقاع إذا كان في أول الشهر تعتبر الشهور بالأهلة ناقصة أو كاملة فإن كان الإيقاع في وسط الشهر ففي حق تفريق الطلاق يعتبر كل شهر بالأيام وذلك ثلاثون يوما بالاتفاق .

وكذلك في حق انقضاء العدة عند أبي حنيفة تعتبر ثلاثة أشهر بالأيام وعندهما يعتبر شهر واحد بالأيام وشهران بالأهلة لأن الأهلة هي الأصل قال الله تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس } والأيام بدل عنها ففي الشهر الواحد تعذر اعتبار ما هو الأصل فاعتبر البدل ، وفي الشهرين لم يتعذر اعتبار ما هو الأصل ولكن أبو حنيفة يقول ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني فدخول الشهر الثاني وسط الشهر الثاني أيضا وكذلك في الشهر الثالث فيتعذر اعتبار الكل بالأهلة فوجب اعتبارها بالأيام ولا يحكم بانقضاء عدتها إلا بتمام تسعين يوما من حين طلقها .

وقد ظن بعض مشايخنا أن الشهر في حق التي لا تحيض بمنزلة الحيض والطهر في حق التي تحيض وليس كذلك بل الشهر في حقها بمنزلة الحيض في حق التي تحيض حتى يتقدر به الاستبراء ويفصل به بين طلاقي السنة وهذا لأن المعتبر في حق ذوات القرء الحيض ولكن لا يتصور الحيض إلا بتخلل الطهر ، وفي [ ص: 13 ] الشهور ينعدم هذا المعنى فكان الشهر قائما مقام ما هو المعتبر ، وإذا طلقها واحدة أو ثنتين فهو يملك الرجعة ما لم تنقض العدة وهذا حكم ثبت بخلاف القياس بالنص فإن إزالة الملك بالطلاق إسقاط والإسقاط يتم بنفسه كالعتق ولكن الشرع أثبت للزوج حق الرجعة في العدة بعد التطليقة والتطليقتين للتدارك عند الندم قال الله تعالى { ، وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } معناه قرب انقضاء عدتهن فأمسكوهن بالمراجعة وقال الله تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } والمراد بالإمساك المراجعة بعد التطليقتين ما دامت في العدة ثبت ذلك بقوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } وعدة التي تحيض ثلاث حيض كما قال الله تعالى في كتابه { ثلاثة قروء } ، وهو حكم مقطوع به ثابت بالنص ثم عطف عليه ما هو مجتهد فيه فقال القرء هي الحيض وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى هي الأطهار حتى أن على مذهبه كما طعنت في الحيضة الثالثة يحكم بانقضاء عدتها وعندنا ما لم تطهر من الحيضة الثالثة لا يحكم بانقضاء العدة . وأصل الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم فقد روى الشعبي رضي الله عنه عن بضعة عشر من الصحابة الحبر فالحبر منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنهم قال الزوج أحق برجعتها ما لم تحل لها الصلاة وعن ابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم قالوا الأقراء الأطهار وعن ابن عباس كما طعنت في الحيضة الثالثة تبين من زوجها ولا يحل لها أن تتزوج حتى تطهر . وكذلك أهل اللغة يطلقون اسم القرء على الطهر والحيض جميعا قال القائل .

يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض

وقال الأعشى

مورثة مال وفي الحي رفعة     لما ضاع فيها من قروء نسائكا

والمراد الأطهار لأن زمان الحيض يضيع وإن كان حاضرا وأصله في اللغة الوقت قال القائل

إذا هبت لقارئها الرياح

فمنهم من يقول وقت الطهر به أشبه لأنه عبارة عن الاجتماع يقال ما قرأت النافة سلا قط أي ما جمعت في رحمها ولدا قط واجتماع الدم في الرحم في حالة الطهر ومنهم من يقول وقت الحيض به أشبه لأن هذا الوصف عارض للنساء فوقت الطهر أصل ووقت الحيض عارض مع أن اجتماع الدم في حالة الطهر لا يعلم حقيقة ولو ثبت ذلك [ ص: 14 ] فإنما يسمى ذلك الوقت قرءا باعتبار الدم المجتمع ثم إن عند اختلاف أهل اللغة يجب المصير إلى لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما اختلفوا في التابوت والتابوه رجحوا لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا اكتبوا بالتاء والقرء في لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيض { قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إذا أتاك قرؤك فدعي الصلاة } وقال صلى الله عليه وسلم { المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها } والقرء والأقراء كلاهما جمع كما يقال فلس وفلوس ونزل وأنزال ثم الشافعي رحمه الله تعالى رجح الأطهار باعتبار حرف الهاء المذكور في قوله ثلاثة قروء فقال جمع المذكر يؤنث والطهر هو المذكر ولكنا نقول الإعراب يتبع اللفظ دون المعنى يقال ثلاثة أفراس وثلاث دواب وقال أيضا القرء عبارة عن الانتقال يقال قرأ النجم إذا انتقل وكما طعنت في الحيضة الثالثة فقد وجد ثلاث انتقالات من الطهر ولكن هذا لا معنى له فالانتقال من الحيض إلى الطهر أيضا قرء فكان ينبغي على هذا أن تنقضي العدة إذا طعنت في الحيضة الثالثة وأحد لم يقل بهذا . ولكن الصحيح ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى أن الله تعالى لما ذكر جمعا مقرونا بالعدد اقتضى الكوامل منه والطلاق هو المباح في حالة الطهر فلو جعلنا القرء الأطهار لكان انقضاء العدة بقرأين وبعض الثالث وهذا يستقيم في جمع غير مقرون بالعدد لقوله تعالى { الحج أشهر معلومات } فأما في جمع مقرون بالعدد فلا بد من الكوامل وإنما يحصل ذلك إذا حمل القرء على الحيض فيكون انقضاء العدة بثلاث

حيض كوامل .

واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } معناه في عدتهن والطلاق المباح في حالة الطهر فعرفنا أن العدة بالطهر وقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لابن عمر رضي الله عنه { إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء } واستدل علماؤنا بقوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه من الحيض والحبل فهو بيان المراد بالقروء قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } الآية وإنما نقل إلى الأشهر عند عدم الحيض والنقل إلى البدل يكون عند عدم الأصل فهو تنصيص على أن المراد بالقرء الحيض وقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } أي قبل عدتهن كما يقال زينت الدار لقدوم الحاج وتوضأت للصلاة أي قبلها ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لقبل عدتهن مع أن المراد عدة الإيقاع ونحن نقول إن عدة الإيقاع [ ص: 15 ] بالأطهار .

فأما عدة الاعتداد بالحيض بيانه في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان } ومن حيث المعنى هو يقول الطلاق السني يستعقب جزءا محسوبا من العدة كما في الآيسة والصغيرة وإنما يكون ذلك إذا كان الاعتداد بالأطهار ونحن نقول المقصود من هذه العدة تبين فراغ الرحم ولهذا لا تجب إلا عند توهم اشتغال الرحم ولهذا يعتبر بوضع الحمل إذا كانت حاملا والحيض ; هي التي تدل على تبين فراغ الرحم دون الطهر فكان الاعتبار بالحيض أولى ثم الأصل في العبادات التي تشتمل على أركان ينفصل بعضها عن بعض أن الأداء لا يتصل بالشروع فيها كما في الحج .

وفيما يكون متصل الأركان يتصل الأداء بالشروع كالصلاة والعدة بالأشهر متصلة الأركان فيتصل الأداء بالشروع فيها والعدة بالأقراء منفصلة الأركان بعضها عن بعض فلا يجب أن يتصل الأداء بالشروع فيها والدليل على ما قلنا الاستبراء فإنه معتبر بالحيض بالنص والمقصود تبين فراغ الرحم فكذلك العدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث