الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العدة وخروج المرأة من بيتها

باب العدة وخروج المرأة من بيتها قد بينا عدة ذات القروء والآيسة والصغيرة إذا كانت حرة أو أمة فأما عدة الوفاة فإنها لا تجب إلا عن نكاح صحيح ويستوي فيه المدخول بها وغير المدخول بها صغيرة كانت أو كبيرة حتى إذا كانت حرة مسلمة أو كتابية تحت مسلم فعدتها ما قال الله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } وقوله { ويذرون أزواجا } بيان أنها لا تجب إلا بنكاح صحيح لأن اسم الزوجية مطلقا لا يكون إلا بعد صحة النكاح ويستوي في هذا الاسم المدخول بها وغير المدخول بها ، وهذا لأن العدة محض حق النكاح لأن النكاح بالموت ينتهي فإنه يعقد للعمر ومضي مدة العمر ينهيه فتجب العدة حقا من حقوقه وبين السلف رحمهم الله فيه خلافا في أربعة فصول .

( أحدهما ) أن منهم من يقول لها عدتان الأطول ، وهو الحول والأقصر وهو أربعة أشهر وعشرا كما قال الله تعالى { وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن } أي بعد أربعة أشهر وعشرا { فلا جناح عليكم } ففي هذا بيان أن العدة الكاملة هو الحول وأن الاكتفاء بأربعة أشهر وعشرا رخصة لها ولكنا نقول هذه الآية منسوخة وهذا حكم كان في الابتداء أن على الزوج أن يوصي لها بالنفقة والسكنى إلى الحول ، وقد انتسخ ذلك قوله تعالى { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } والدليل عليه ما روي { أن المتوفى عنها زوجها لما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في الاكتحال قال صلى الله عليه وسلم كانت إحداكن في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها قعدت في شر أحلاسها حولا ثم خرجت فرمت كلبة ببعرة أفلا أربعة أشهر وعشرا } .

( والثاني ) أن المعتبر عشرة أيام وعشر ليال من الشهر الخامس عندنا وعن عبد الله بن عمرو بن العاص [ ص: 31 ] رضي الله عنهما أنه كان يقول عشر ليال وتسعة أيام حتى يجوز لها أن تتزوج في اليوم العاشر لظاهر قوله تعالى وعشرا فإن جمع المؤنث يذكر وجمع المذكر يؤنث فيقال عشرة أيام وعشر ليال فلما قال هنا وعشرا عرفنا أن المراد الليالي ولكنا نقول هو كذلك إلا أن ذكر أحد العددين من الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر وقد بينا هذا في باب الاعتكاف .

( والثالث ) أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها عندنا ، وهو قول ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما وكان علي رضي الله عنه يقول تعتد بأبعد الأجلين إما بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشرا لأن قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } يوجب عليها العدة بوضع الحمل وقوله تعالى { يتربصن بأنفسهن } يوجب عليها الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا فيجمع بينهما احتياطا ولو وضعت قبل أربعة أشهر وعشرا فليس لها أن تتزوج لأن أمر العدة مبني على الاحتياط ولكن قد صح عن ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أن قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن } قاضية على قوله تعالى { يتربصن بأنفسهن } حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه من شاء بأهلته إن سورة النساء القصوى { وأولات الأحمال أجلهن } نزلت بعد قوله { أربعة أشهر وعشرا } التي في سورة البقرة وقال عمر رضي الله تعالى عنه لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره لانقضت عدتها والدليل عليه حديث { سبيعة بنت الحارث الأسلمية رضي الله تعالى عنها فإنها وضعت ما في بطنها بعد موت الزوج بتسعة أيام فسألت أبا السنابل بن بعكك هل لها أن تتزوج فقال لا حتى يبلغ الكتاب أجله فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قال أبو السنابل فقال صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل فقد بلغ الكتاب أجله إذا أردت النكاح فادأبي } وإنما اشتبه على علي رضي الله تعالى عنه لأن بوضع الحمل يتبين براءة الرحم ، وفي التربص بأربعة أشهر وعشرا لا عبرة بشغل الرحم حتى تستوي فيها الصغيرة والكبيرة بخلاف عدة الطلاق ولكنا نقول أصل العدة مشروع لبراءة الرحم وتمام ذلك بوضع الحمل ففي حق الحامل لا يعتبر شيء آخر بأي سبب وجبت عليها العدة .

( والرابع ) أن عدة الوفاة معتبرة من وقت الزوج عندنا ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وكان علي رضي الله عنه يقول من حين تعلم بموته حتى إذا مات الزوج في السفر فأتاها الخبر بعد مضي مدة العدة عند علي رضي الله تعالى عنه يلزمها عدة مستأنفة لأن عليها الحداد [ ص: 32 ] في عدة الوفاة ولا يمكنها إقامة سنة الحداد إلا بعد العلم بموته ولأن هذه العدة تجب بطريق العبادة فلا بد من علمها بالسبب لتكون مؤدية للعبادة ولكنا نقول العدة مجرد مضي المدة وذلك يتحقق بدون علمها فهو وعدة الطلاق سواء وأكثر ما في الباب أنها لم تقم سنة الحداد ولكن ذلك لا يمنع من انقضاء العدة كما لو كانت عالمة بموت الزوج ومعنى العبادة في العدة تبع لا مقصود ألا ترى أنها تجب على الكتابية تحت المسلم وهي لا تخاطب بالعبادات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث