الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ثم الهبة والصدقة قد تكون من الأجانب ، وقد تكون من القرابات ، وذلك أفضل ; لما فيه من صلة الرحم ، وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاسح } . ولهذا بدأ الكتاب بحديث رواه عن إبراهيم عن عمر رضي الله عنه قال : من وهب لذي رحم محرم هبة ; فقبضها ; فليس له أن يرجع فيها . وذكر بعد هذا عن عطاء ، ومجاهد عن عمر رضي الله عنه قال من وهب هبة لذي رحم محرم ; فقبضها : فليس له أن يرجع فيها ، ومن وهب هبة لغير ذي رحم : فله أن يرجع فيها - ما لم يثب منها - . والمراد بقوله : ذي رحم محرم : قد ذكر ذلك في بعض الروايات ، وهذا لأنه يفترض صلة القرابة المتأبدة بالمحرمية دون القرابة المتحرزة عن المحرمية ، وهو كما يتلى في القرآن في قوله - سبحانه وتعالى - { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } أي : اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقال الله تعالى : { وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } .

والمراد : الرحم المتأبد بالمحرمية . ثم إن الحديث دليل أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ; لأنه اعتبر القبض للمنع عن الرجوع ، وهو دليل لنا أن الوالد إذا وهب لولده هبة ليس له أن يرجع فيها كالولد إذا وهب لوالده ، وهذا لأن المنع من الرجوع لحصول المقصود - وهو صلة الرحم - أو لما في الرجوع والخصومة فيه من قطيعة الرحم ، والولاد في ذلك أقوى من القرابة المتأبدة بالمحرمية ، وفيه دليل على أن : من وهب لأجنبي هبة فله أن يرجع فيها - ما لم يعوض منها - لقوله صلى الله عليه وسلم : ما لم يثب ، والمراد بالثواب : العوض فعمر رضي الله عنه إمامنا في المسألتين يحتج بقوله رضي الله عنه على الخصم ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - { : أينما دار الحق فعمر معه ، وإن ملكا ينطق على لسان عمر } . ( وعن ) عائشة رضي الله عنها قالت : نحلني أبو بكر رضي الله عنه جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية ، فلما حضره الموت حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : يا بنية إن أحب الناس إلي غنى أنت ، وأعزهم علي فقرا أنت ، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي بالعالية ، وإنك لم تكوني قبضتيه ، ولا حزتيه ، وإنما هو مال الورثة ، وإنما هما أخواك ، وأختاك قالت : فقلت : فإنما هي أم عبد الله - يعني أسماء - قال : إنه ألقي في نفسي أن في بطن بنت خارجة جارية . ثم ذكر عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه نحلها أرضا له ، وفي هذا دليل أن الهبة لا تتم إلا بالقبض وأنه يستوي في ذلك الأجنبي ، والولد إذا كانا بالغين ، وفيه دليل على أن الهبة لا تتم إلا بالقسمة - فيما يحتمل القسمة - ; لأن أبا بكر رضي الله عنه أبطل لعدم القبض ، [ ص: 50 ] والحيازة جميعا بقوله : وإنك لم تكوني قبضتيه ، ولا حزتيه ، والمراد بالحيازة : القسمة ; لأنه يقال : حاز كذا ، أي : جعله في حيزه بقبضه . وحاز كذا ، أي : جعله في حيزه بالقسمة . ولو حملناه على القبض هنا كان تكرارا ، وحمل اللفظ على ما يستفاد به فائدة جديدة أولى من حمله على التكرار .

وفيه دليل : أن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تكون باطلة ; لأن أبا بكر رضي الله عنه باشرها ، ولكن لا يحصل الملك إلا بعد القسمة ، كما لا يحصل الملك إلا بعد القبض ، ولا نقول : الهبة قبل القبض باطلة ، وفيه دليل أن التسليم كالتمليك المبتدإ ; لأن أبا بكر رضي الله عنه امتنع من ذلك لمرضه ; فإن المريض ممنوع من إيثار بعض ورثته بشيء من ماله بطريق التبرع ، ولكن طيب قلبها بما قال انتدابا إلى ما ندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : { رحم الله امرأ أعان ولده على بره } بدأ كلامه بالحمد والثناء على الله تعالى ، وكل مسلم مندوب إلى ذلك - خصوصا في وصيته - ثم يستدل بقوله : إن أحب الناس إلي غنى : أنت ، وأعزهم علي فقرا : أنت ، أي : أشدهم من تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر . ولا شك أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب لها أعلى الدرجات ، ولكن المذهب عندنا : أن الأفضل ما اختاره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال : عليه الصلاة والسلام { اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين } . وقال صلى الله عليه وسلم : { الفقر أزين بالمؤمن من العذار الجيد على خد الفرس } . وكذلك أبو بكر رضي الله عنه اختار الفقر لنفسه حين أنفق جميع ماله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرفنا أنه إنما قال ذلك تطييبا لقلبها ، أو أحب الغنى لها ; لعجزها عن الكسب ، أو ظن أنه يشق عليها الصبر على الفقر ; فلهذا قال : أحب الناس إلي غنى : أنت ، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي بالعالية - وذلك اسم موضع - وقد كان وهب لها قدر عشرين وسقا من ماله في ذلك الموضع قال : وإنما هو مال الورثة ، وفيه دليل على أن حق الوارث يتعلق بمال المريض مرض الموت ، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام : وما سوى ذلك فهو مال الوارث ، أو قال ذلك باعتبار أن مآله إلى ذلك ، كقوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون } .

وإنما هما أخواك وأختاك ، وإنما ذكر ذلك لتطييب قلبها ، أنه كان لا يسلم لك فلا يبعد عنك فأشكل على عائشة رضي الله عنها قوله : وأختاك ; لأنها ما عرفت لها إلا أختا واحدة ، وهي أم عبد الله . فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنه ألقي في نفسي أن في بطن بنت خارجة جارية - يعني أم حبيب امرأته ، وكانت حاملا - وفيه دليل أن الحمل من جملة الورثة ، وأنه لا بأس للإنسان أن يتكلم بمثل هذا بطريق الفراسة ; فإن أبا بكر [ ص: 51 ] رضي الله عنه قال ذلك بفراسته ، ولم يكن ذلك منه رجما بالغيب ، فإن ما في الرحم لا يعلم حقيقته إلا الله - تعالى - كما قال الله - تعالى - { : ويعلم ما في الأرحام } . ولهذا قيل : أفرس الناس أبو بكر رضي الله عنه ; حيث تفرس في حبل امرأته : أنها جارية ، فكان كما تفرس ، وتفرس في عمر رضي الله عنه حين استخلفه بعده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث