الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( وعن ) عطاء بن السائب عن شريح رحمهما الله - أنه سأله عن الحبيس فقال : إنما أقضي ولست أفتي ، فأعدت عليه المسألة فقال : لا حبيس عن فرائض الله تعالى ، وبه يأخذ من يقول : لا ينبغي للقاضي أن يفتي ، وهذا فصل تكلم فيه العلماء رحمهم الله ، فمنهم من يقول : في العبادات لا بأس بأن يفتي ، وفي المعاملات لا يفتي لكي لا يقف الخصم على مذهبه ; فيشتغلوا بالحيل على مذهبه ، ومنهم من يقول : لا يفتي في مجلس القضاء ، وله أن يفتي في غير مجلس القضاء ; [ ص: 52 ] لأنه لو اشتغل بها في مجلس القضاء - وكل واحد منهما أمر عظيم - فربما يتمكن الخلل في أحدهما ، وهو متعين للقضاء فيشتغل بما تعين له ويدع الفتوى لغيره . والأصح عندنا : أنه لا بأس له أن يفتي إذا كان أهلا لذلك ، وقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يقضون بين الناس ويفتون ، والقضاء في الحقيقة فتوى ، إلا أنه فتوى فيه إلزام ; ولهذا كان القاضي في الصدر الأول يسمى مفتيا ; ألا ترى أن شريحا أفتى لما أعاد السؤال بقوله : لا حبيس عن فرائض الله تعالى . فهو دليل أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن الوقف لا يتعلق به اللزوم ، وقد روي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه بيناه في الوقف ( وعن ) ابن عباس وشريح رضي الله عنهما قالا : { جاء محمد عليه الصلاة والسلام ببيع الحبيس } وهكذا عن الشعبي ، وفيه بيان أنه كان معروفا - فيما بينهم - أن الوقف لا يتعلق به اللزوم ( وعن ) عمر رضي الله عنه قال : ما بال أحدكم يتصدق على ولده بصدقة لا يحوزها ولا يقسمها ، يقول : إن أنا مت كانت له ، وإن مات هو رجعت إلي ، وايم الله : لا يتصدق منكم رجل على ولده بصدقة لم يحزها ولم يقسمها ، ثم مات إلا صارت ميراثا لورثته ، وهكذا نقل عن عثمان رضي الله عنه وفيه دليل أن الصدقة لا تتم إلا بالقبض والقسمة ; لأن المراد بالحيازة المذكورة في هذا الحديث : القبض ، فإنها قرنت بالقسمة فلو حملنا الحيازة على القسمة : كانت تكرارا ، ولو حملناها على القبض : كنا قد استفدنا بكل لفظ فائدة جديدة

وفيه دليل أنه إذا مات بعد ما تصدق على ولده قبل أن يسلمها إليه ; فهو ميراث للورثة ، وتأويله : إذا كان الولد بالغا فهو حجة على ابن أبي ليلى ; لأنه لم يفصل بين أن يكون في عيال الأب أو لا يكون - ولو كان المراد الولد الصغير - فإذا لم يقسمها لم يثبت الملك للولد فكان ميراثا عن الأب بعد موته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث