الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السلم في الثياب

قال ( وكل شيء ينقطع من أيدي الناس فلا خير في السلم فيه ) وهذه المسألة على أربعة أوجه : ( أحدهما ) أن يكون المسلم فيه موجودا عند العقد منقطعا عن أيدي الناس عند حلول الأجل فلهذا لا يجوز بالاتفاق لأن السلم إليه بالعقد يلتزم التسليم عند حلول الأجل فإذا لم يكن مقدور التسليم عند ذلك لا يجوز العقد ( الثاني : ) أن يكون منقطعا وقت العقد موجودا في أيدي الناس عند حلول الأجل فهذا لا يجوز عندنا ويجوز عند الشافعي ( الثالث : ) أن يكون موجودا عند العقد وعند حلول الأجل ولكنه ينقطع عن أيدي الناس فيما بين ذلك فهذا لا يجوز عندنا وعلى قول مالك والشافعي رحمهما الله ( الرابع : ) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل على وجه لا ينقطع فيما بين ذلك فيكون العقد صحيحا بالاتفاق وحجتهم في ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { دخل المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين - وربما قال : ثلاث سنين - فقال : من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم } ومعلوم أن الثمار الرطبة لا تبقى إلى هذه المدة الطويلة ومع هذا قرهم على السلم فيها والمعنى فيه وهو أن المسلم فيه معلوم مقدور التسليم عند وجوب التسليم فيجوز العقد كما لو كان موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل وبيان الوصف أن وجوب التسليم بحكم العقد عند حلول الأجل وعند ذلك هو موجود في العالم والقدرة على تسليم الدين بوجود جنسه في العالم ولا معنى لقول من يقول من الجائز أن يموت المسلم إليه عقيب العقد فيحل الأجل لأن هذا موهوم

ولا يبنى العقد على الموهومات ألا ترى أن اعتبار هذا الموهوم يؤدي إلى الحلول أو جهالة الأجل وذلك مبطل لعقد السلم وإن كان موجودا في الحال فدل أنه لا يعتبر ذلك وكذلك إن كان ينقطع فيما وراء ذلك المحل يجوز العقد وإن كان يتوهم أن يتأخر التسليم إلى أن ينقطع وليس هذا نظير ما لو عين مكيالا أو قيما تخالف ما بين الناس لأن بطلان العقد ليس باعتبار هلاك ما عينه بل باعتبار جهالة قدر المسلم فيه كتعيين المسلم فيه لا لأنه يتوهم أو يصيب ثمار تلك النخلة آفة والدليل أن وجود السلم فيه في مكان العقد ليس بشرط بجواز العقد فكذلك في زمان العقد لا التسليم لا يتأتى إلا بمكان أو زمان فكل يسقط اعتبار وجوده في مكان العقد فكذلك في زمان العقد وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها } وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها } ولم يرد به النهي عن بيعها سلما والمعنى فيه أن قدرة العاقد [ ص: 135 ] على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد كما في بيع العين وهذا لأن الملتزم للتسليم هو العاقد فيشترط قدرته على التسليم ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه معدوما في الحال لأن العاقد لا يقدر على تسليمه إلا بإيصال حياته وأن ذلك الشيء وإيصال حياته بأوان الوجود موهوم وبالموهوم لا تثبت القدرة على التسليم فإن قيل حياته معلومة في الحال

والأصل بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت وإنما الموت موهوم قبله قلنا نعم ولكن بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت باستصحاب الحال فيكون معتبرا في إبقاء ماله على ملكه لا في توريثه من مورثه فبهذا الطريق لا تثبت قدرته على التسليم إلا أن يكون موجودا في الحال حتى تكون حياته متصلة بأوان ذلك الشيء ثم عجزه بالموت أو بآخر التسليم إلى أن ينقطع موهوم فلا يعتبر ذلك في إفساد العقد يقرره أن ما بعد العقد بمنزلة حالة المحل لأن زمان المحل وقت وجوب التسليم بشرط بقائه حيا إلى ذلك الوقت وذلك موهوم وما بعد العقد وقت وجوب التسليم يشترط موته وذلك موهوم أيضا فاستويا من هذا الوجه ثم يشترط الوجود وقت المحل بالاتفاق فلذلك يشترط الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل بخلاف ما وراء المحل لأن ذلك ليس بزمان وجوب التسليم ابتداء وإنما هو زمان بقاء ما وجب من التسليم ولا يعتبر في حالة البقاء ما يعتبر في حالة الابتداء كخلو المحل عن الردة والعدة في النكاح والشهود تعتبر عند ابتداء العقد لا عند البقاء واعتبار الزمان بالمكان ساقط لأنه يتحقق نقله من مكان إلى مكان فبانعدامه في مكان العقد لا تنعدم القدرة على التسليم ولا يتحقق نقله من زمان إلى زمان فتنعدم القدرة على التسليم لعدم الوجود في زمان العقد ألا ترى أنه لا يشترط وجوده في المكان الذي جعلاه محل التسليم ويشترط وجوده في زمان المحل وما افترقا إلا لما قلنا وإذا كان المسلم فيه موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل ثم لم يأخذه بعد محل الأجل حتى انقطع فرب السلم بالخيار إن شاء أخذ رأس المال وإن شاء صبر حتى يجيء حينه فيأخذ ما أسلم فيه عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وقال زفر : يبطل العقد ويسترد رأس المال لأن الانقطاع من أيدي الناس في العجز عن تسليم الدين بمنزلة هلاك العين في العجز عن التسليم

ولو هلك المبيع في بيع العين قبل التسليم بطل به البيع فكذلك إذا انقطعت من أيدي الناس وقاس بما لو اشترى بفلوس شيئا فكسدت قبل القبض يبطل العقد لهذا المعنى فكذلك إذا انقطع المسلم فيه من أيدي الناس وحجتنا في ذلك أنه يعذر بتسليم المعقود عليه بعارض على شرف الزوال فيتخير فيه [ ص: 136 ] العاقد كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض وهذا لأن المعقود عليه دين وبقاء الدين ببقاء محله ومحل الدين إنما هو الذمة فكان المعقود عليه باقيا ببقاء الذمة ولكن تأخر تسليمه إلى أوان وجوده وفيه يعتبر شرط العقد فيثبت للعاقد الخيار بين أن يفسخ العقد ويسترد رأس المال وبين أن يصبر حتى يأتي أوانه فيأخذ المسلم فيه وبه فارق هلاك العين فالمعقود عليه هناك يفوت أصلا وكذلك الفلوس إذا كسدت فإن العقد إنما تناول فلوسا هي ثمن فبعد الكساد لا يبقى ثمنا أصلا يوضحه أن ما يكسد من الفلوس لا يروج بعد ذلك أو لا يدرى متى يروج فلم يكن للقدرة فيه على التسليم أوان معلوم فلهذا يبطل العقد هنا لادراك الثمار للقدرة على التسليم أوان معلوم فيخير رب السلم إن شاء رضي بالتأخير وإن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث