الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ص ( باب ) ( إنما يصح إعتاق مكلف )

ش : أخرج به الصبي فلا يصح عتق الصبي ، ولو علقه بيمين فحنث فيها بعد البلوغ كان بإذن وليه أو بغير إذنه ، قاله في المقدمات وغيرها .

وقال في العتق الثاني من المدونة : ولا يجوز عتق المعتوه إذا كان مطبقا ولا الصبي ، وإن قال صبي كل مملوك لي حر إذا احتلمت فاحتلم فلا شيء عليه ، وكذا المجنون قال في عتقها الثاني : ومن حلف بعتق عبده إن فعل كذا فجن ، ثم فعل ذلك في حال جنونه فلا شيء عليه ، قال أبو الحسن قال أصبغ : ومن حلف ليفعلن فعلا إلى أجل كذا ، ثم جن فمضى الأجل ، وهو مجنون فإنه حانث ، وقال غيره : لا يحنث ; لأنه مضى الأجل ، وهو في حال لا تنعقد اليمين فيه انتهى .

ويدخل السكران قال في عتقها الثاني : وعتق السكران وتدبيره جائز إذا كان غير مولى عليه قال أبو الحسن : أما الطافح فكالبهيمة لا خلاف أنه لا يلزمه شيء ا هـ . كلامه بالمعنى .

ص ( بلا حجر )

ش : هذا قيد ثان ، وهو عدم التحجير فيخرج السفيه المولى عليه قال في كتاب المديان منها : ولا يجوز للمولى عليه عتق ولا صدقة ولا هبة ولا بيع ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ، ورشده إلا أن يجيزه الآن وأستحب له إمضاءه ولا أجبره عليه انتهى . قال في المقدمات كان الولي رده أم لم يرده ؟ واختلف إذا كان بيمين فحنث فيها بعد ولاية نفسه واختلف أيضا إن لم يعلم بذلك حتى مات هل للورثة رد ذلك [ ص: 327 ] على قولين حكاهما ابن حبيب في الواضحة انتهى . والقول بلزوم الحنث لأشهب ، والقول بعدمه لابن القاسم كذا عزاه أبو الحسن في العتق الثاني في شرح قولها ، وإن قال صبي كل مملوك لي حر المتقدم ، والله أعلم .

( فرع ) قال في رسم قطع الشجرة ، وهو أول رسم ابن القاسم من كتاب العتق الثاني : لو قال لمملوك من مماليك أبيه : إن ملكتك فأنت حر فمات أبوه وملكه فإن كان يوم قاله سفيها فلا يلزمه العتق ، وإن كان رشيدا عتق عليه ، قال ابن رشد : واختلف هل هو محمول في حياة أبيه على الرشد أو على السفه ؟ والمشهور أنه محمول على السفه انتهى . ونقلهأبو الحسن .

( تنبيهات الأول ) قوله في المدونة : " استحب إلى آخره ، قال أبو الحسن : وفي الأمهات لا يجوز له في ماله بيع ولا عتق ولا شراء ولا هبة ولا صدقة والهبة والصدقة لغير ثواب كالعتق واستحب له أن يمضيها فظاهره أنه راجع إلى العتق وما أشبهه من الهبة والصدقة لغير الثواب انتهى . قال أبو الحسن قال عياض : ظاهر التهذيب أنه راجع إلى الجميع وعليه اختصرها المختصرون ، وأنه يستحب له إمضاء جميع ما فعله ، وفيه نظر والصحيح سواه ، وأنه لا يستحب له أن يمضي إلا ما كان لله قربة وأما ما بينه وبين العباد ، فأي استحباب في هذا وكذا جاء منصوصا في سماع أشهب على ما تأولناه قال الشيخ أبو الحسن : وقد يكون أيضا فيه قربة بإسعاف أخيه المسلم بإمضاء صفقته لغبطته بها كأن يكون قربة في الإقالة ، والتولية انتهى . وهو ظاهر فتأمله ، والله أعلم .

( الثاني ) ظاهر كلام المؤلف أن السفيه لا يصح عتقه في جميع ما يصح فيه العتق ، وليس على عمومه فقد قدم في باب الحجر أنه يجوز عتقه لمستولدته ، وقال في المدونة إثر الكلام السابق : وما ليس له فيه إلا المنفعة ففعله فيه جائز ، ويجوز طلاقه لزوجته وعتقه لأم ولده انتهى . وهل يتبعها مالها ؟ نقل في التوضيح في باب الحجر في ذلك ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين اليسير ، والكثير ، ونقلها غيره ، وعزا اللخمي الثالث لابن القاسم ، وقال : أنه الأشبه ذكره في الحجر ، والقول الثاني : أنه لا يتبعها مالها ، وإن لم يستثنه ، قال ابن رشد في رسم العتق من سماع أشهب : هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب انتهى . من العتق وتقدم في باب الحجر الكلام على جميع ما تقدم بأبسط من هذا ، الثالث : يؤخذ من كلام المؤلف أن السفيه المهمل عتقه جائز ; لأنه إلى الآن لم يحجر عليه ، وأنه إذا حجر عليه ، ثم ظهر رشده ولم يطلقه الحاكم فعتقه غير جائز ; لأنه محجور عليه وهذا يأتي على قول ابن القاسم ، وقول مالك على العكس ، قال في اللباب هنا : ولو كان السفيه غير مولى عليه فعتقه جائز ، قال ابن القاسم : إلا البين السفه انتهى . وكلام اللباب يفهم منه أن قول ابن القاسم تقييد ، وليس كذلك والله أعلم .

ويخرج بقول المؤلف " بلا حجر " أيضا العبد ، قال في الولاء منها : ولا يجوز عتق المكاتب ولا العبد بغير إذن سيده فإن أعتق أو دبر أو تصدق بغير إذن سيده فللسيد رد ذلك ، فإن رده بطل ولا يلزم العبد والمكاتب ذلك إن عتقا ، وإن لم يعلم بذلك السيد حتى عتقا مضى ذلك وما أعتقا بإذن السيد جاز وعتق أم الولد لعبدها كما وصفنا في عتق العبد عبده انتهى . وقد علم أن أم الولد ، والمكاتب بمنزلة القن وكذا من بعضه حر صرح به في أول رسم من سماع عيسى من كتاب العتق .

والظاهر أن المدبر والمعتق إلى أجل كذلك وأظن أن اللخمي صرح بذلك والله أعلم . وفي المقدمات في كتاب المأذون : وأما العبد فما أعتق أو وهب فإذا لم يعلم السيد بذلك أو علم ولم يقض برد ولا إجازة حتى عتق العبد والمال بيده فإن ذلك لازم له ، ولا أعلم في ذلك نص خلاف ، وهو دليل على أن فعله على الإجازة فإن فوت العبد المال من يده قبل أن يعتق ببيع أو هبة بطلت الصدقة والعتق قاله في الصدقة في كتاب الاعتكاف ، والعتق مقيس عليها إلا أن يفرق بينهما مفرق لحرمة العتق ، وهو بعيد .

فإن رد السيد ذلك وبقي بيده حتى عتق ولم يفوته [ ص: 328 ] لم يلزمه شيء قاله في المدونة في الصدقة والهبة والعتق مقيس على ذلك انتهى . ويخرج أيضا بقول المؤلف " بلا حجر " الزوجة فيما زاد على الثلث ، فإذا أعتقت عبدا فإن حمله الثلث جاز ، وإن حمل بعضه فالمشهور أن للزوج رد الجميع فإن أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره فهل له رده أو يمضي ؟ فيه قولان ذكرهما في التوضيح في باب الحجر ، وانظرها في رسم سن من سماع ابن القاسم من العتق ، ويخرج أيضا المريض فيما زاد على الثلث فإذا أعتق عبدا لا يملك غيره مضى منه الثلث ، والله أعلم . وخرج أيضا المرتد ، قال في الشامل في باب الحجر : " وحجر لردة فلا يعد تصرف مرتد حجرا عليه ، وظاهره ولو أسلم بعد ذلك ، والله أعلم . وتقدم في باب الحجر الكلام على الحجر بالردة .

ويخرج أيضا المدين إذا فلسه الإمام .

وأما من أحاط الدين بماله فيخرج بقوله " وإحاطة دين " قال ابن عبد السلام ( فإن قلت ) لا شك أن أحد أسباب الحجر إحاطة الدين بماله فإذا انتفى الحجر عموما انتفى كون الدين محيطا .

( قلت ) : السبب الحقيقي هو الفلس ، وهو متأخر عن إحاطة الدين وقد علم أن من الأفعال ما يصح فعله من الذي أحاط الدين بماله ، ولا يصح من الفلس المحجور عليه وعلى هذا فالحجر لأجل الفلس أخص من إحاطة الدين ونفي الأخص الذي هو الحجر للفلس نفي للأعم الذي هو إحاطة الدين انتهى .

وفيه نظر ; لأنه قد سلم أن إحاطة الدين مما يقع به الحجر ولو في بعض الأشياء والمقصود في قول المؤلف وابن الحاجب : بلا حجر نفي مطلق الحجر لا نفي الحجر من الوجود وإلا لخرج حجر الزوجة ، والمريض .

( تنبيهات الأول ) قول المؤلف : إنما يصح هل مراده إنما يصح ويلزم أو مراده مطلق الصحة ، وإن لم يلزم فإن أراد الأول فليس في كلامه ما يدل عليه ، ومع ذلك فيرد عليه الكافر فإنه إذا أعتق عبده الكافر لا يلزمه عتق مع أنه يصدق عليه أنه مكلف لا حجر عليه ; لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، قال في العتق الثاني منها في ترجمة من أعتق من الغنيمة قبل قسمها : وإذا أسلم عبد النصراني ، ثم أعتقه قضي عليه بعتقه ; لأنه حكم بين مسلم وذمي ، ولو دخل إلينا حربي بأمان وكاتب عبدا له أو أعتقه أو دبره ، ثم أراد بيعه فذلك له وكذلك النصراني إذا أعتق عبدا له نصرانيا ، ثم أراد أن يرده في الرق أو يبيعه فذلك له إلا أن يرضى أن يحكم عليه بحكم الإسلام قوله : " فذلك له " قال ابن يونس " ولا يحال بينه وبين ذلك إلا أن يكون أبانه عنه " ونحوه في الجنايات انتهى . وكذلك ورد في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى مطلقا فقال ابن رشد : ظاهر الرواية أن للنصراني أن يرجع في عتق عبده النصراني ما دام على النصرانية لا يمنع من ذلك ، وإن كان لما أعتقه قد خلى سبيله وخرج عن خدمته مثل قول ابن القاسم في المكاتب منها خلاف ما في جنايتها إن ذلك له ما لم يخرجه من يده ; لأن قوله : إذا لم يخرجه من يده يدل على أن له أن يرجع في عتقه بعد إسلامه إذا لم يخرجه من يده خلاف ما في كتاب المكاتب فتحصيل المسألة أنه إذا أعتقه وخلى سبيله وأخرجه من خدمته ، ثم أراد أن يرجع في عتقه قبل إسلامه كان له على ظاهر هذه الرواية ولم يكن له على ما في جنايتها ، وإن أراد أن يرجع في عتقه بعد أن أسلم ولم يكن خرج عن خدمته كان ذلك له على ما في هذه الرواية خلاف ما في كتاب المكاتب منها انتهى .

ثم قال في المدونة : وكذلك لو كاتبه أو دبره ، ثم أراد بيعه لم يمنع إلا أن يسلم العبد ، وهو في يده فيؤاجر المدبر وتباع كتابة المكاتب قيل له فإن بتل النصراني عتق عبده النصراني أو دبره أو حلف بذلك ، ثم أسلم فحنث ، قال : إن حنث بيمينه في نصرانيته أو بعد إسلامه لا شيء عليه وكذلك جميع أيمانه انتهى . فيخرج من قوله : " وكذلك لو كاتبه إلى . آخره " أنه لو أعتقه ، ثم أسلم العبد ، وهو في يد سيده وأراد الرجوع له ليس له ذلك ، وقال الشيخ [ ص: 329 ] أبو الحسن قال ابن يونس : وظاهر كلام ابن القاسم أنه خلاف بين إسلام العبد وإسلام السيد وهذا إذا لم يبن العبد عن نفسه انتهى . وقد حصل اللخمي جميع ذلك فقال : وإذا أعتق النصراني عبده لزمه ذلك ; لأنه حكم بين مسلم ونصراني فيجري على حكم الإسلام ، وإن أعتق عبده النصراني ، ثم أسلم العبد فإن أسلم بعد أن رجع عن عتقه واسترقه لم يلزمه ذلك العتق ، وإن أسلم بعد أن حاز نفسه لم يكن ذلك للسيد ، وإن أسلم قبل أن يحوز نفسه وقبل أن يرجع عن العتق ، فقولان والقياس : أنه لا شيء عليه ; لأنه لو رجع قبل إسلام العبد كان ذلك له ولم يؤخذ بما عقد وإسلام العبد لا يوجب عليه ذلك العقد انتهى .

وقد علمت من قول المدونة المتقدم : " وكذلك لو كاتب عبده أو دبره " أن الجاري عليه أنه لا يرجع ، ثم قال اللخمي وكذلك إن أسلم السيد وحده أو أسلم السيد ، ثم العبد فإن كان الإسلام قبل أن رجع في العتق لم يلزمه ، وإن كان بعد أن حاز نفسه لزمه ، وإن كان بقرب العتق قبل أن يرجع وقبل أن يحوز نفسه كان على الخلاف ، وإن حلف بعتق عبده ، ثم حنث لم يلزمه وسواء حنث قبل الإسلام أو بعده ; لأن عقد الكفر غير لازم وإذا أعتق النصراني عبده النصراني ، ثم امتنع من إنفاذ العتق لم يجبر عليه ولو حوزه نفسه لم يكن له أن يرجع فيه انتهى . إلا أن يقال : إن المؤلف مشى على القول بأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة فقد صح فيخرج الكافر بقوله : " مكلف " ويكون مراده إنما يصح ويلزم ، وإن أراد المؤلف بقوله : " إنما يصح " مطلق الصحة ، وإن لم يلزم فيرد عليه أن غالب ما احترز عنه صحيح ويتوقف لزومه على إجازة الغير كعتق المريض والمرأة والعبد والمدبر فتأمله ، والله أعلم .

( الثاني ) قوله : بلا حجر يغني عن قوله " مكلف " ، والله أعلم . وكلام الجواهر نحو كلام المصنف فإنه قال : المعتق كل مكلف بلا حجر انتهى .

( الثالث ) قال ابن عرفة ، وقول ابن شاس وابن الحاجب وقبله شارحاه وله أركان الأول : المعتق يقتضي أن المعتق جزء من المعتق وليس كذلك إلا أن يريد ، وأركانه الحسية المتوقف وجوده حسا عليها كاللحم والعظم والدم للإنسان لا أركانه المحمولة عليها كالحيوان والناطق للإنسان انتهى . ومن المعلوم أنهم لم يريدوا إلا الأركان الحسية المتوقف وجوده عليها حسا وانظر لم أخر الاعتراض إلى هنا وهلا أورده من أول الذكاة والصيد فتأمله ، والله أعلم .

ص ( ولغريمه رده أو بعضه )

ش : أي ولغريم المدين رد عتقه إن أحاط الدين بماله ، وإن لم يحط الدين [ ص: 330 ] بماله فللغريم رد بعض العبد حتى يستوفي حقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث