الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( السادس ) يستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان ، وأن يقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ثم يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة ، ففي صحيح مسلم [ ص: 446 ] عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تبتغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة } ، وقوله : مقاما محمودا كذا ثبت في الصحيح منكرا ، وهو موافق للفظ ; لأنه أعني قوله تعالى { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ، وروي معروفا ، وهو صحيح رواه ابن خزيمة ، والنسائي ، وابن حبان ، والبيهقي بإسناد صحيح وزاد في رواية البخاري بعد قوله : الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ورواها البيهقي في سننه ، وصرح صاحب الطراز باستحباب ذلك ، وأنه إنما يستحب ذلك إذا كان في غير صلاة ، فإنه لما تكلم على الحكاية في الصلاة ، وذكر قول ابن حبيب : أنه يحكيه في الفرض والنفل ، وقول سحنون : أنه لا يحكيه فيهما ، قال في توجيه القولين فتعلق ابن حبيب بعموم الحديث ، وتعلق سحنون بمساقه فإن فيه " ثم صلوا علي " وساق الحديث إلى آخره ثم ، قال وإنما يستحب ذلك خارج الصلاة فدل على أن الحديث إنما يعني في غير تلك الحال انتهى .

وقال ابن عسكر في عمدته ويستحب لسامعي الأذان حكايته لمنتهى الشهادتين ، ويعوض الحوقلة عن الحوعلة ، ويقول إذا فرغ المؤذن : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته انتهى . وقال في القوانين : وينبغي لسامع الأذان أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل من الله له الوسيلة ثم يدعو بما شاء انتهى . وصرح الشافعية باستحباب ذلك للمؤذن أيضا ولم أر من صرح به من المالكية ، وقال في مختصر الواضحة قال عبد الملك : ويستحب له الدعاء عند الأذان وعند الإقامة فيما يستحب للرجل أن يقول إذا سمع المؤذن يقول : الله أكبر لبيك داعي الله سمع السامعون بحمد الله ، ونعمته اللهم أفضل علينا وقنا عذاب النار ، ثم يقول مثل ما يقول وعن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من سمع المؤذن ، فقال مثل ما يقول ، ثم قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا غفر الله له } ، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من قال حين يسمع الأذان : اللهم رب هذه الدعوة النافعة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والشفاعة حلت له شفاعتي يوم القيامة } .

وعن عائشة أنها كانت إذا سمعت المؤذن ، قالت : شهدت وآمنت وأيقنت وصدقت وأجبت داعي الله وكفرت من أبى أن يجيبه انتهى .

( فائدة ) قال في الإكمال في قوله : " حلت عليه الشفاعة " ، يحتمل أن يكون هذا مخصوصا لمن فعل ما حض عليه الصلاة والسلام عليه وأتى بذلك على وجهه وفي وقته بإخلاص وصدق نية ، وكان بعض من رأيناه من المحققين يقول : هذا ومثله في قوله صلى الله عليه وسلم " من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا " ، هو والله أعلم لمن صلى عليه محتسبا مخلصا قاضيا حقه بذلك إجلالا لمكانه وحبا فيه لا لمن قصد بذلك ودعا به مجرد الثواب ورجاء أو مجرد الإجابة لدعائه بصلاته عليه والحظ لنفسه ، وهذا عندي فيه نظر انتهى .

، وقال في النوادر عن ابن حبيب : والدعاء حينئذ ترجى بركته ، وعند الزحف ، ونزول الغيث ، وتلاوة القرآن انتهى .

( السابع ) ما ذكره عن سعد بن أبي وقاص رواه مسلم في صحيحه بلفظ : { من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه } ، وفي رواية : { من قال حين سمع المؤذن وأنا أشهد } ورواه ابن أبي عوانة في صحيحه وزاد فيه : { غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر } .

( قلت ) وهذه الزيادة ضعيفة كما بينت ذلك بالجزء الذي سميته { تفريح القلوب بالخصال [ ص: 447 ] المكفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب } ، وبين النووي رحمه الله في شرح مسلم ، وفي الأذكار أنه يقول : رضيت بالله ربا . إلخ بعد قوله : " وأنا أشهد أن محمدا رسول الله " ، وقوله : " وبمحمد رسولا " كذا في رواية مسلم وفيها أيضا تقديم قوله : وبمحمد رسولا ، على قوله : وبالإسلام دينا ، وفي رواية ابن ماجه تقديم قوله : " وبالإسلام دينا " وقال فيها : " وبمحمد نبيا " قال بعض شيوخ شيوخنا : فينبغي أن يجمع بينهما فيقول : وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا .

( قلت ) وقد ذكر النووي نحو ذلك في الأذكار لما ذكر أذكار الصباح والمساء ، فقال : وقع في رواية أبي داود وغيره : وبمحمد رسولا ، وفي رواية الترمذي : " نبيا " ، فيستحب أن يجمع الإنسان بينهما فيقول : " نبيا ورسولا " ولو اقتصر على أحدهما لكان عاملا بالحديث انتهى .

( قلت ) وينبغي أن يقول في مرة : " أشهد " وفي مرة : " وأنا أشهد " ; ليعمل بجميع الروايات .

( الثامن ) زاد بعضهم في الحديث المذكور بعد قوله : " والفضيلة " " والدرجة الرفيعة " ، قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة : لم أره في شيء من الروايات ، قال وكان من زادها اغتر بما وقع في بعض نسخ الشفاء في الحديث المشار إليه لكن مع زيادتها في هذه النسخة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها ، ولم أرها في سائر نسخ الشفاء ، بل عقد لها في الشفاء فصلا في معان أخر ، ولم يذكر فيه حديثا صريحا ، وهو دليل لغلطها انتهى .

( قلت ) يشير إلى قوله : فصل في تفضيله في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة انتهى .

وقال الدميري من الشافعية في شرح المنهاج وقع في الشرح والروضة ، والمحرر بعد " والفضيلة " زيادة " والدرجة الرفيعة " ولا وجود لها في كتب الحديث .

( التاسع ) المراد بالدعوة التامة : الأذان وصفت الدعوة بالتمام ; لأنها ذكر الله ويدعى بها إلى عبادته ، وقوله : " والصلاة القائمة " أي : الصلاة التي ستقام وتفعل " والوسيلة " أصلها ما يتوسل به إلى الشيء ، وقد فسرها في الحديث : بأنها منزلة في الجنة ، وذكر الدميري عن بعضهم أنه فسرها بأنها قبتان في أعلى عليين إحداهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمد صلى الله عليه وسلم وآله ، والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم وآله عليه الصلاة والسلام ، والمقام المحمود هو مقام الشفاعة ، وقوله : " الذي وعدته " بدل من قوله : " مقاما محمودا " لا نعت على رواية التنكير ، ونعت على رواية التعريف ، وقوله : في الحديث " وأرجو أن أكون أنا " ، قال القرطبي : قاله قبل أن يعلم أنه صاحبه ولكن مع ذلك لا بد من الدعاء ، فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم ، ثم أنه يرجع ذلك إليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته ، وقوله : في الحديث " حلت عليه الشفاعة " قال في الإكمال ، قال المهلب يعني حلت عليه : غشيته ، والصواب أن يكون " حلت " بمعنى : وجبت ، قال أهل اللغة : حل يحل : وجب ، وحل يحل : نزل انتهى . وقال في الصحاح : وحل العذاب يحل بالكسر أي : وجب ، ويحل بالضم نزل ، وقرئ بهما : { فيحل عليكم غضبي } انتهى .

وقال القرطبي فكأن الشفاعة لازمة له لا تنفك عنه ، ولذلك عداه بعلى انتهى . وفي بعض الروايات : " حلت له الشفاعة " كما تقدم والله أعلم .

( العاشر ) قال في مختصر الواضحة قال عبد الملك : ويستحب للمؤذن أن يركع ركعتين على أثر أذانه وليس بلازم وقد حدثني أصبغ عن ابن وهب عن يونس بن زيد عن ابن شهاب أنه قال : الركعتان من سنة الأذان إلا على أثر أذان المغرب قال فضل قال ابن القاسم : سمعت مالكا : يقول أدركت بعض الشيوخ إذا سمع مؤذن المغرب قام يركع ركعتين قبل الصلاة ، قال مالك ولا يعجبني هذا من العمل ، وقال في النوادر عن المختصر : والركوع بأثر الأذان واسع ، قال ابن حبيب يستحب أن يركع أثر الأذان إلا في المغرب ، وقاله ابن شهاب انتهى . هذا في حق المؤذن ، وأما من كان جالسا في المسجد فيكره له الركوع عند الأذان إن فعل ذلك سنة ، فأما إن صادف ذلك [ ص: 448 ] دخوله المسجد أو تنفله فلا ، قال في مختصر الوقار في باب صلاة الجمعة : ويكره قيام الناس للركوع بعد فراغ المؤذن من الأذان يوم الجمعة ، وغيرها انتهى . وهو معنى قول المصنف في باب الجمعة : وتنفل إمام قبلها أو جالس عند الأذان ، وقال الشارح في الكبير : قال الأصحاب : وإنما قال : والمراد الأذان الأول ، كما قاله الشارح في الصغير ، والبساطي والأقفهسي ، وقال الشارح في الكبير : وإنما كره خشية أن يعتقد فرضيته فلو فعله إنسان في خاصة نفسه فلا بأس به إذا لم يجعله استنانا انتهى . وقال في المدخل : وينهى الإمام الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول للجمعة ; لأنه مخالف لما كان عليه السلف ; لأنهم كانوا على قسمين : منهم من كان يركع حين دخوله ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام على المنبر ، ومنهم : من كان يركع ويجلس حتى يصلي ، ثم قال : ولا يمنع الركوع في ذلك الوقت لمن أراده وإنما المنع في اتخاذ ذلك عادة بعد الأذان وأطال في ذلك ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث