الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في مبيت ليالي أيام التشريق الثلاثة بمنى ، أو سقوطه ورميها وشروط الرمي وتوابع ذلك ( إذا عاد إلى منى ) من مكة ، أو لم يعد بأن لم يذهب لمكة ( بات ) وجوبا على الأصح ( بها ) فلا يجزئ خارجها ومنها ما أقبل من الجبال المحيط بها حدودها وأولها من جهة مكة أول العقبة التي بلصقها الجمرة ومن جهة عرفة محسر لكن هذا الحد غير معروف الآن للجهل بأول محسر لكنهم قالوا طول منى سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع فليقس من العقبة ويحد به ثم الظاهر من هذا التحديد أنه يعتبر ما سامت أول العقبة المذكور يمينا إلى الجبل ويسارا إلى الجبل وحينئذ يخرج من منى كثير يظنه أكثر الناس منها ( ليلتي ) يومي ( التشريق ) الأولين أي : معظمهما وكذا الثالثة إن لم ينفر نفرا صحيحا كما سيعلم من كلامه ( ورمى ) وجوبا بلا خلاف ويجب فيه جمعه ، أو فرقه أن يرمي ( كل يوم إلى الجمرات الثلاث ) والأصل في الرمي لا الواجب فيه كما يعلم مما يأتي أن يكون ( كل جمرة سبع حصيات ) للاتباع ومحل ذلك حيث لا عذر ومنه قصد سقي الحاج بمكة ، أو بطريقها ورعي دابة أو دواب [ ص: 126 ] ولو لغير الحاج نعم يمنع بعد الغروب النفر للرعي ؛ لأنه لا يكون ليلا بخلاف نحو سقاية ويلزم الرعاء بكسر الراء والمد العود للرمي في وقته .

ومر أن وقت أداء رمي النحر من نصف ليلة النحر إلى آخر أيام التشريق ويأتي أن رمي كل يوم من أيام التشريق يدخل بزواله ويستمر إلى آخرها فلهم كغيرهم ترك رمي النحر وما بعدها إلى آخرها ليرموا الكل قبيل غروب شمسه وبهذا يعلم أن معنى كون الرعي عذرا على المعتمد عدم الكراهة في تأخيره لأجله وإلا فهو مساو لغيره في الجواز ، فإن فرض خوفه على دابته لو عاد للرمي الذي يدرك به كان معنى كون الرعي عذرا له عدم الإثم كما هو ظاهر وأما جواب بعضهم عن قول الإسنوي من التناقض العجيب قولهما يجوز لذوي الأعذار تأخير رمي يوم لا يومين مع تصحيحهما أن لغيرهم تأخير رمي يومين فأكثر من غير عذر ؛ لأن أيام منى كالوقت الواحد بأن هذا فيمن بات ليالي منى وذاك في ذي عذر لم يبتها فامتناع التأخير عليه لتركه شعار المبيت والرمي فيرد بأن ما ترك للعذر بمنزلة المأتي به في عدم الإثم فلم يناسب التضييق بذلك مع العذر على أن هذا الجمع مخالف لإطلاقهم في الموضعين من غير معنى يشهد له فلا يلتفت إليه .

وإنما الوجه ما ذكرته من أن يجوز معناه من غير كراهة ولا يجوز معناه نفي الحل المستوي الطرفين فتأمله ويأتي قريبا ما يؤيده ومنه أيضا خوف على محترم ولو لغيره فيما يظهر أخذا مما مر في التيمم ومرض تشق معه الإقامة بمنى وتمريض منقطع وطلب نحو آبق وغير ذلك مما بينته في الحاشية ومنه ما مر في مزدلفة من [ ص: 127 ] الاشتغال بنحو طواف الركن بقيده وسيعلم مما يأتي أن العذر في المبيت يسقط دمه وإثمه وفي الرمي يسقط إثمه لا دمه ( تنبيه ) وقع بموسم سنة ثمان وخمسين ضحى يوم النحر فتنة عظيمة بين أمراء الحاج وأمير مكة ثم تزايدت واشتد الخوف حتى رحل أكثر الحجاج والمكيين ليلة القر وصبيحته ووقع النهب الفظيع ولم يزل الخوف يشتد حتى نفر من بقي مع الأمراء من الحجيج قبل زوال يوم النفر الأول وأراد بعض أكابر الحجاج أن يعود لمنى قبل فوات وقت الرمي مع جند من صاحب مكة فتعذر عليه ذلك لتمرد الأعراب وانتشارهم كالجراد وحينئذ اختلف المفتون في لزوم الدم .

وظاهر كلامهم لزومه كما بينته مع الميل إلى عدمه وبيان مستنده في إفتاء مبسوط مسطر في الفتاوى ومن ذلك المستند أن ما ذكروه من الأعذار بعضه لا يمنع فعله بالنفس وبعضه لا يمنع الاستنابة فلزم الدم لإمكان الفعل وأما هذا العذر فمانع للفعل بالنفس والنائب ؛ لأن كل واحد حتى الفقراء المتجردين صار خائفا على نفسه فلم يكن فيه تقصير ألبتة وأن كلام شارح يفيد ذلك وأن ما ذكروه في الإحصار لا ينافي ذلك ؛ لأن المبيت ثم يجب فيه دم مع العذر كما يأتي فالرمي أولى قيل وقع نظير ذلك وأن علماء مصر ومكة اختلفوا في الدم فأفتى بعدمه المصريون كشيخنا ومعاصريه وبوجوبه المكيون ( فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر ) أي : التحرك للذهاب إذ حقيقة النفر الانزعاج فيشمل من أخذ في شغل الارتحال ويوافق الأصح في أصل الروضة أن غروبها ، وهو في شغل الارتحال لا يلزمه المبيت ، وإن اعترضه كثيرون ( قبل غروب الشمس ) يؤخذ من قوله أراد أنه لا بد من نية النفر مقارنة له وإلا لم يعتد بخروجه [ ص: 128 ] فيلزمه العود ؛ لأن الأصل وجوب مبيت ورمي الكل ما لم يتعجل عنه ولا يسمى متعجلا إلا من أراد ذلك .

ثم رأيت الزركشي قال لا بد من نية النفر ا هـ ويوجه بما ذكرته ( جاز ) إن كان بات الليلتين قبله ، أو تركهما للعذر ( وسقط مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها ) ولا دم عليه لقوله تعالى { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } والأصل فيما لا إثم فيه عدم الدم لكن التأخير أفضل لا سيما للإمام إلا لعذر كخوف ، أو غلاء وذلك للاتباع بل في المجموع عن الماوردي ما يقتضي حرمته عليه أما إذا لم يبتهما ولا عذر له أو نفر قبل الزوال ، أو بعده وقبل الرمي فلا يجوز له النفر ولا يسقط عنه مبيت الثالثة ولا رمي يومها على المعتمد نعم ينفعه في غير الأولى العود قبل الغروب فيرمي وينفر حينئذ [ ص: 129 ] وبحث الإسنوي طرد ما ذكر في الأولى في الرمي فمن تركه لا لعذر امتنع عليه النفر ، أو لعذر يمكن معه تداركه ولو بالنائب فكذلك ، أو لا يمكن جاز ( فإن لم ينفر ) بضم فائه وكسرها ( حتى غربت ) الشمس ( وجب مبيتها ورمي الغد ) كما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما .

ولو نفر لعذر ، أو غيره بعد الرمي قبل الغروب وليس في عزمه العود للمبيت ثم عاد لها قبله أو بعده لم يلزمه المبيت ولا الرمي إن بات ووقع في كلام الغزي هنا ما لا يصح فاحذره أما إذا كان في عزمه ذلك [ ص: 130 ] فيلزمه العود ولم تنفعه نية النفر ؛ لأنه مع عزمه العود لا يسمى نفرا ( ويدخل رمي ) كل يوم من أيام ( التشريق ) ، وهي ثلاثة بعد يوم النحر سميت بذلك لإشراق نهارها بنور الشمس وليلها بنور القمر وحكمة التسمية لا يلزم اطرادها ، أو ؛ لأنهم يشرقون اللحم فيها أي : يقددونه ، وهي المعدودات في الآية لقلتها والمعلومات عشر ذي الحجة ( بزوال الشمس ) من ذلك اليوم للاتباع ويستحب فعله عقبه وقبل صلاة الظهر ما لم يضق الوقت ولم يرد جمع التأخير ( ويخرج ) وقت اختياره ( بغروبها ) من كل يوم كما هو المتبادر من العبارة لعدم وروده ليلا ( وقيل يبقى ) وقت الجواز وحينئذ ففي حمل المتن على وقت الاختيار الذي اعتمده ابن الرفعة وغيره نظر ؛ لأن الوجه الثاني لا يكون مقابلا له حينئذ فالأولى حمله على وقت الجواز ويكون جريا على الضعيف الذي تناقض فيه كلامه في غير هذا الكتاب .

ولك أن تحمل الغروب على غروب آخر أيام التشريق ليكون الضعيف مقابلا له مع جريانه على الأصح والمراد حينئذ لازم ويخرج والمعنى ويبقى أي : وقت الجواز إلى غروبها آخر أيام التشريق وقيل يبقى وقت الجواز إلى فجر الليلة التي تلي كل يوم لا غير ( إلى الفجر ) كوقوف عرفة ومحله في غير ثالثها لخروج وقت الجواز وغيره بغروب شمسه قطعا

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

[ ص: 125 ] فصل في مبيت ليالي أيام التشريق الثلاثة بمنى إلخ ) .

( قوله : وأولها من جهة مكة أول العقبة إلخ ) هذا قد يقتضي دخول الجمرة فليتأمل مع التنبيه السابق قبيل قول المصنف ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي إلا أن يريد بأول العقبة أولها من جهة منى ويكون ذلك الأول سابقا على الجمرة .

( قوله : لا الواجب فيه ) أي وإلا فالواجب فيه يحصل أيضا مثلا بما إذا رمى ليلا وبما إذا أخر رمي اليومين الأولين إلى الثالث فرمى الجميع فيه وقوله جمعه بأن أخر الرمي إلى الثالث فرمى فيه عن الثلاثة في وقت واحد وقوله أو فرقه بأن رمى عن كل يوم فيه أو الليلة التي بعده في غير الثالث .

( قوله : ومحل ذلك حيث لا عذر ومنه قصد سقي الحاج إلخ ) عبارة عب ولا دم بتركها أي [ ص: 126 ] ليالي منى لعذر كالرعاء إن فارقوها قبل الغروب وكأهل سقاية العباس وكذا غيرها وللصنفين تأخير رمي النحر يوما فأكثر من التشريق ويتداركونه كما سيأتي ا هـ وسيأتي مضمون ذلك قريبا وكذا يرخص للرعاء ترك مبيت مزدلفة بأن جاءوها قبل الغروب وفارقوها كذلك .

( قوله : وأما جواب بعضهم إلخ ) ذكر في شرح البهجة هذا الجواب ( قوله : قولهما يجوز لذوي الأعذار تأخير رمي يوم لا يومين مع تصحيحهما إلخ ) قال في شرح الروض واعلم أن المنع من تأخير رمي يومين متواليين هو بالنسبة لوقت الاختيار وإلا فقد مر أن وقت الجواز يمتد إلى آخر أيام التشريق فقول المجموع قال الروياني وغيره لا يرخص للرعاء في ترك رمي يوم النحر أي في تأخيره محمول على أنه لا يرخص له في الخروج عن وقت الاختيار ا هـ .

( قوله : بأن هذا ) أي أن لغيرهم تأخيره إلخ وقوله وذلك أي قولهما يجوز إلخ ( قوله : للعذر بمنزلة المأتي به ) أي وترك ذي العذر المبيت للعذر .

( قوله : [ ص: 127 ] وظاهر كلامهم ) أي لما تقرر من أن العذر في الرمي يسقط إثمه لا دمه .

( قوله : وإن اعترضه كثيرون ) قال في شرح الروض ، وهو كما قال الأذرعي وغيره غلط سببه سقوط شيء من بعض نسخ العزيز والمصحح فيه وفي الشرح الصغير [ ص: 128 ] ومناسك النووي أنه يمتنع عليه النفر بخلاف ما لو ارتحل وغربت الشمس قبل انفصاله من منى فإن له النفر ا هـ .

( قوله : فيلزمه العود ) لقائل أن يقول محل لزوم العود ما لم ينو النفر خارجها قبل الغروب ( قوله : أما إذا لم يبتهما ) صادق بما إذا بات إحداهما فقط ، وهو ظاهر ثم رأيت السيد صرح به فقال عقب عبارة ساقها عن المصنف قلت ، وهو مقتض لامتناع التعجيل فيمن لا عذر له إذا ترك مبيت الليلتين أو إحداهما لأنه حينئذ لم يبت المعظم ، وهو الليلتان ا هـ .

( قوله : نعم ينفعه في غير الأولى العود قبل الغروب ) مفهومه أنه لا ينفعه العود بعد الغروب وبه صرح في شرح الروض حيث قال بعد قول الروض ، وإن نفر في الثاني قبل الغروب سقط عنه المبيت ورمي الثالث وشمل كلامه أي الروض كالروضة ما لو نفر قبل رميه فيسقط عنه ما ذكر وبه صرح الإمام مع تقييده النفر بما بعد الزوال ونقله عنه في المجموع واستحسنه فقال ما حاصله أنه لو نفر النفر الأول ، فإن كان بعد الزوال ولم يرم ، فإن غربت الشمس فاته الرمي ولا استدراك ولزمه الدم ولا حكم لمبيته لو عاد بعد غروبها وبات حتى لو رمى في النفر الثاني لم يعتد برميه ؛ لأنه بنفره أعرض عن منى والمناسك ، وإن لم تغرب فأقوال أحدها أن الرمي انقطع ولا ينفعه العود ثانيها يتعين عليه العود ويرمي ما لم تغرب الشمس ، فإن غربت تعين الدم ثالثها يتخير بين الأمرين ، وإن نفر قبل الزوال وعاد وزالت ، وهو بمنى فالوجه القطع بأن خروجه لا يؤثر أو بعد [ ص: 129 ] الغروب فقد انقطعت العلائق أو بينهما فظاهر المذهب أنه يرمي لكن تقييد المنهاج كأصله والشرحين النفر ببعد الرمي يقتضي أنه شرط في سقوط المبيت والرمي وبه صرح العمراني عن الشريف العثماني قال ؛ لأن هذا النفر غير جائز قال المحب الطبري ، وهو صحيح متجه قال الزركشي ، وهو ظاهر فالشرط أن ينفر بعد الزوال والرمي ا هـ .

( قوله : وبحث الإسنوي طرد ما ذكر في الأولى في الرمي ) عبارة السيد في حاشيته ما نصه قال الإسنوي ويتجه طرد ذلك في الرمي أيضا قلت إذا فرعنا على الراجح في أن أيام منى كاليوم الواحد في تدارك الرمي أداء فهو متمكن من الرمي قبل أن ينفر النفر الأول فيمتنع عليه النفر قبله كما يمتنع عليه النفر بعد الزوال وقبل رمي يومه ا هـ ، وهو صريح في أنه إذا أراد النفر في اليوم الثاني ولم يكن رمى فيما قبله ، فإن تدارك فيه رمي ما قبله أيضا جاز نفره وإلا فلا .

( قوله : في الرمي ) أي في اليومين الأولين وقوله امتنع عليه النفر أي ، وإن كان وقت أداء الرمي باقيا فتركه في اليومين موجب لبيات الليلة الثالثة ورمي يومها ومانع من النفر الأول هذا ظاهر هذه العبارة ثم رأيت شيخنا الشهاب البرلسي كتب بهامش شرح المنهج ما نصه قال الإسنوي ويتجه أيضا أن يكون ترك الرمي في الماضي كترك المبيت ثم قال نعم إذا كان التعدي بترك أحدهما فهل يجب عليه مبيت الثالثة ورميهما أم يجب نظير ما تعدى به فقط أم يفصل فيقال إن كان الإخلال بترك المبيت لم يلزمه الرمي ؛ لأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي فيكون تابعا والتابع لا يوجب المتبوع ، وإن حصل الإخلال بترك الرمي وجب المبيت في كل ذلك نظر ا هـ أقول ولك أن تمنع أولا إلحاق ترك الرمي بترك المبيت من حيث إن المبيت واجب ووقت الرمي فيما مضى اختياري فمتى تدارك ذلك في اليوم الثاني قبل الغروب ساغ له النفر بخلاف ترك المبيت في الماضي لا سبيل إلى تداركه ا هـ ولا يخفى اتجاه ما ذكره من منع الإلحاق إلا أن يريدالإسنوي امتناع النفر عند عدم التدارك لا مع التدارك أيضا فليتأمل ثم رأيت كلام السيد فيما مر دالا على أنه إن تدارك جاز النفر .

( قوله : أو لعذر يمكن معه تداركه ) كان معناه يمكن مع الرمي تدارك العذر ا هـ .

( قوله : أو لا يمكن جاز ) [ ص: 130 ] ظاهره ، وإن أمكن التدارك في يوم النفر قبله ولم يتدارك وفيه نظر فليراجع ( قوله : فيلزمه العود ) ينبغي ما لم يقصد قبل الغروب الإعراض عن المبيت وعدم العود .

( قوله : وقيل يبقى وقت الجواز إلى فجر الليلة التي تلي كل [ ص: 131 ] يوم ) شامل لآخر يوم وينافيه قوله الآتي ومحله إلخ

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث