الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان بيع الثمر والزرع وبدو صلاحهما

جزء التالي صفحة
السابق

( ويشترط لبيعه ) أي : الزرع بعد الاشتداد ( وبيع الثمر بعد بدو الصلاح ظهور المقصود ) منه لئلا يكون بيع غائب ( كتين وعنب وشعير ) وسلت وكل ما يظهر ثمره ، أو حبه كنوع من الذرة لحصول الرؤية ( وما لا يرى حبه كالحنطة ) ونوع من الذرة ، وكذا الدخن نوعان أيضا قال بعضهم والمرئي إنما هو بعض حباته ومع ذلك القياس الصحة كما يصح بيع نحو بصل ظهر بعضه ذكره القاضي ، وفيه وقفة بل القياس فيهما تفريق الصفقة [ ص: 465 ] فيصح في المرئي فقط إن عرف بقسطه من الثمن ، وكون رؤية البعض هنا تدل على الباقي غالب ممنوع نعم إن فرض ذلك في نوع بخصوصه لم تبعد الصحة في الكل نظير ما يأتي في قصب السكر ( والعدس ) بفتح الدال ( في السنبل ) وجوز القطن قبل تشققه ( لا يصح بيعه دون سنبله ) لاستتاره ( ولا معه في الجديد ) لاستتار المقصود بما ليس من مصلحته والنهي عن بيع السنبل حتى يبيض أي : يشتد كما في رواية محمول على سنبل نحو الشعير جمعا بين الأدلة ، وفي الأنوار لا يجوز بيع الجوز في القشرة العليا مع الشجر وقياسه امتناع بيع القطن قبل تشققه ، ولو مع شجره .

( ولا بأس بكمام ) ، وهو بكسر أوله وعاء نحو الطلع ( لا يزال إلا عند الأكل ) بفتح الهمزة وأما مضمومها فهو المأكول كرمان وطلع نخل وموز وبطيخ وباذنجان ؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته ومثل ذلك ما يكون بقاؤه فيه سببا لادخاره كأرز وعلس ومن زعم أن الأرز كالشعير إنما هو باعتبار نوع منه كذلك وإنما لم يصح السلم في الأرز والعلس في قشرته [ ص: 466 ] لما يأتي فيه ( وما له كمامان ) مثنى كمام استعمالا له في المفرد مجازا ؛ إذ هو جمع كمامة ، أو كم بكسر أوله فقياس مثناه كمان ، أو كمامتان ( كالجوز واللوز والباقلا ) أي : الفول ( يباع في قشره الأسفل ) ؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته ( ولا يصح في الأعلى ) على الشجر أو الأرض لاستتاره بما ليس من مصلحته وفارق صحة بيع قصب السكر في قشره الأعلى بأن قشره ساتر لكله ، وقشر القصب لبعضه غالبا فرؤية بعضه دالة على باقيه وأيضا فقشره الأسفل كثيرا ما يمص معه فصار كأنه في قشر واحد كالرمان ويظهر أن الكلام في باقلا لا يؤكل معه قشره الأعلى ، وإلا جاز كبيع اللوز في قشره الأعلى قبل انعقاد الأسفل ؛ لأنه مأكول كله ( وفي قول يصح ) بيعه في الأعلى ( إن كان رطبا ) لحفظه رطوبته فهو من مصلحته ورجحه كثيرون في الباقلا بل نقله الروياني عن الأصحاب والأئمة الثلاثة والإجماع الفعلي عليه وحكاية جمع أن الشافعي أمر الربيع بشرائه له ببغداد معترضة بأن الربيع لم يصحبه بها وبفرض صحته فهو مذهبه القديم ، وقد بالغ في الأم في تقرير عدم صحة بيعه وسيأتي في إحياء الموات الكلام على الإجماع الفعلي قيل ومثله اللوبيا ورد بأنها مأكولة كلها كاللوز قبل انعقاد الأسفل

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قول المصنف ظهور المقصود ) فلا يصح بيع نحو الفجل والجزر والخس لاستتار المقصود ، أو بعضه ، وكذا القصب إن استتر بعض المقصود منه م ر ( قوله : وشعير ) ينبغي في الشعير أنه لا بد من رؤية كل سنبلة ، ولا يقال رؤية البعض كافية وذلك كما لو فرقت أجزاء الصبرة لا يكفي رؤية بعضها فليتأمل ( قوله : بل القياس فيهما تفريق الصفقة ) قياس ذلك تفريق الصفقة في بيع زرع الحنطة فيصح فيما عدا سنابلها لظهوره وعلى هذا فقول الأنوار الآتي آنفا لا يجوز بيع الجوز في القشرة العليا مع الشجر يكون معناه قصر البطلان على الجوز دون الشجر بل يصح فيه تفريقا للصفقة ، وقد يقال القياس البطلان في الجميع في جميع هذه الصور ؛ لأن شرط تفريق الصفقة كون [ ص: 465 ] الباطل أيضا معلوما ليمكن التوزيع وقد تقدم قول المصنف ، ولو باع أرضا مع بذر أو زرع لا يفرد بالبيع بطل في الجميع ، وقيل في الأرض قولان ا هـ ومثل الشارح الزرع المذكور بالفجل المستور بالأرض والبر المستور بسنبله وعلل البطلان في الجميع بالجهل بأحد المقصودين الموجب لتعذر التوزيع لا يقال بل يمكن التوزيع بعد العقد إذا علم الباطل ؛ لأن العبرة بالعلم حال العقد بدليل قوله زرع لا يفرد ثم رأيت م ر قال الأوجه البطلان فيهما ا هـ ويؤيده ما قدمته من قول المصنف ، ولو باع إلخ .

( قوله : فيصح في المرئي فقط ) قياس ما قاله أنه لو ورد العقد على المرئي وحده صح ، وهو ظاهر ، وقوله : إن عرف بقسطه أي : إن أمكن التقسيط ، وإلا بطل في الجميع كما هو ظاهر ( قوله : مع الشجر ) أي : بأن يورد العقد عليه مع الشجر أما لو أورده على الشجر وحده صح ، ولم يدخل الجوز كما هو ظاهر ، وكذا يقال في قطن يبقى سنتين فليتأمل ، وفي الروض وشرحه ، ولا يعتبر تشقق القشر الأعلى من نحو الجوز بل هو للبائع مطلقا إلخ ( قوله : وقياسه إلخ ) حاصله أنه يمتنع بيع ذلك منفردا فلا يتغير الحكم ببيعه مع الشجر ومثله كل ما يمتنع بيعه منفردا بخلاف نحو الطلع ، وفي الروض وشرحه وتشقق جوز عطب أي : قطن يبقى سنتين أي : فأكثر كتأبر النخل فيتبع المشقق غيره إن اتحد فيهما ما ذكر وما لا يبقى من أصل العطب أكثر من سنة إن بيع قبل تكامل قطنه لم يجز إلا بشرط القطع سواء خرج الجوز أو لا ، أو بعد تكامله فإن تشقق جوزه صح لظهور المقصود ، وإلا بطل لاستتار قطنه ا هـ باختصار ، وقوله : أولا كتأبر النخل قال الشارح في شرح العباب فإن بيع أصله قبل خروج الجوز ، أو بعده وقبل تشققه فهو للمشتري ، وإلا فهو للبائع وتشقق بعضه ، وإن قل كتشقق كله ا هـ فعلم أن غير المتشقق تارة يصح وتارة لا يصح فانظر الضابط وكان ما يبقى سنين المقصود الأصل فصح وإن لم يتشقق ودخل تبعا وغيره المقصود الثمرة ففصل فليتأمل .

( قوله : امتناع بيع القطن ) أي : بأن يورد العقد على خصوصه وقوله قبل تشققه أي : لاستتار المقصود بما ليس من صلاحه ( قوله : وإنما لم يصح السلم في الأرز إلخ ) فعلم جواز البيع للأرز في قشرته والسلم فيه في قشره الأسفل دون الأعلى وما نقل عن المصنف من صحة السلم في الأرز على الأصح محمول على المقشور ، وأما خشب الكتان فيجوز بيعه ؛ لأن المقصود ظاهر والساس في باطنه كنوى التمر ، ولا يجوز السلم في الكتان إلا بعد نفضه ؛ إذ لا [ ص: 466 ] ينضبط إلا حينئذ ، ولو باع حب الكتان وحده ، أو مع خشبه لم يصح كما هو ظاهر لاستتار الحب بما ليس من صلاحه كما لو باع سنابل البر وحدها ، أو مع الزرع ، ولو باع الخشب وحده وعليه الحب صح كما هو ظاهر للعلم بالمبيع فليتأمل ، وفي شرح م ر قال ابن الرفعة والكتان إذا بدا صلاحه يظهر جواز بيعه ؛ لأن ما يغزل منه ظاهر والساس في باطنه كالنوى في التمر لكن هذا لا يتميز في رأي العين بخلاف التمر والنوى ا هـ والأوجه أن محله أخذا مما مر ما لم يبع مع بزره بعد بدو صلاحه ، وإلا فلا يصح كالحنطة في سنبلها ا هـ بقي ما لو أطلق بيع خشب الكتان ، وعليه الحب وينبغي أن يصح وينزل على الخشب فقط ؛ لأنه بمنزلة شجرة نخل عليها ثمر مؤبر ، أو شجر نحو تين خرج ثمرها فلا يتناول الحب كما لا يتناول الشجر المذكور ثمرها وإنما لم نقل مثل ذلك في نحو زرع الحنطة ؛ لأن المقصود سنابلها بخلاف الكتان فإن المقصود خشبه فليتأمل .

( قوله : وفارق صحة بيع قصب السكر ) ينبغي ، ولو مزروعا ؛ لأن ما يستتر منه في الأرض غير مقصود غالبا كما مر ، وفي فتاوى السيوطي في باب الشركة وشراء القلقاس ، وهو مدفون في الأرض باطل ، وكذا القصب في الأرض إن كان مستورا بقشره وإلا يصح ا هـ وفيما ذكره في القصب نظر ( قوله : وإلا جاز ) ظاهر كلامهم يخالفه م ر ( قوله أمر الربيع ) يمكن أن يقال أن الربيع قلد في شرائه القائل بصحته بإذن الشافعي لكن يرد عليه أنه يمتنع على [ ص: 467 ] الشافعي أكله تقليدا لامتناع التقليد عليه



حاشية الشرواني

قول المتن ( ظهور المقصود ) أي : من الحب والثمر ا هـ مغني فلا يصح بيع نحو الفجل والجزر والخس لاستتار المقصود ، أو بعضه ، وكذا القصب إن استتر بعض المقصود منه م ر ا هـ سم عبارة النهاية والمغني ، ولا يصح بيع الجزر والفجل ونحوه كالثوم والقلقاس والبصل في الأرض ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط قطعه كالبقول ا هـ قول المتن ( وشعير ) قضيته أنه نوع واحد والمشاهد فيه أنه نوعان بارز وغيره ويسمى عند العامة شعير النبي فهو كالذرة ولعله لم يذكر أنه نوعان ؛ لأن الغالب فيه رؤية حبه ، وفي سم على حج ينبغي في الشعير أنه لا بد من رؤية كل سنبلة ، ولا يقال رؤية البعض كافية وذلك كما لو فرقت أجزاء الصبرة لا يكفي رؤية بعضها فليتأمل انتهى ا هـ ع ش ( قوله : ونوع من الذرة ) إلى قول المتن ، ولا بأس في النهاية إلا قوله : بل القياس إلى المتن ( قوله : قال بعضهم إلخ ) لك أن تقول يجوز أن يكون مراد هذا البعض أن المرئي بعض كل حبة لا أن بعض الحبات غير مرئي بالكلية يرشد إلى ذلك تنظيره بالبصل ، وعليه فلا توقف فيه ا هـ بصري ( قوله : بعض حباته ) أي : الدخن ا هـ رشيدي .

( قوله : بل القياس فيهما إلخ ) أي : البصل والدخن ا هـ ع ش ( قوله : تفريق الصفقة إلخ ) وقد يقال القياس البطلان في الجميع ؛ لأن شرط تفريق الصفقة كون الباطل أيضا معلوما ليمكن التوزيع ثم رأيت م ر قال الأوجه البطلان فيهما انتهى ا هـ عبارة النهاية بعد سرد عبارة الشارح والأوجه فيه عدم الصحة في الجميع ا هـ قال ع ش قوله : والأوجه فيه أي : في المقيس عليه ، وعليه فيمكن الفرق بين رؤية بعض البصل وبعض الحب بأن الغالب أن السنبلة الواحدة [ ص: 465 ] لا يختلف حبها فرؤية بعض الحب تدل على باقيه ورؤية الظاهر من البصل لا تدل على باقيه ا هـ .

( قوله : إن عرف بقسطه ) أي : إن أمكن التقسيط ، وإلا بطل في الجميع ، وهو ظاهر ا هـ سم ( قوله : هنا ) أي : في البصل والدخن ( قوله : والعدس ) أي : والسمسم نهاية ومغني ( قوله : والنهي إلخ ) رد لدليل القديم ( قوله : مع الشجر ) أي بأن يورد العقد عليه مع الشجر أما لو أورده على الشجر وحده صح ، ولم يدخل الجوز كما هو ظاهر ، وكذا يقال في قطن يبقى سنتين فليتأمل ، وفي الروض وشرحه ، ولا يعتبر تشقق القشر الأعلى من نحو الجوز بل هو للبائع مطلقا إلخ ا هـ سم ( قوله : وقياس امتناع إلخ ) تقدم له م ر الجزم به بعد قول المصنف وبعد التناثر للبائع إلخ ا هـ ع ش .

( قوله : وقياسه إلخ ) حاصله أنه يمتنع بيع ذلك منفردا فلا يتغير الحكم ببيعه مع الشجر ومثله كل ما يمتنع بيعه منفردا بخلاف نحو الطلع ، وفي الروض وشرحه وتشقق جوز عطب أي : قطن يبقى سنين أي : سنتين فأكثر كتأبر النخل فيتبع المستتر غيره إن اتحد فيهما ما ذكر ، وما لا يبقى من أصل العطب أكثر من سنة إن بيع قبل تكامل قطنه لم يجز إلا بشرط القطع سواء خرج الجوز أو لا ، أو بعد تكامله فإن تشقق جوزه صح لظهور المقصود ، وإلا بطل لاستتار قطنه انتهى باختصار ، قوله : أو لا كتأبر النخل قال الشارح في شرح العباب فإن بيع أصله قبل خروج الجوز أو بعده وقبل تشققه فهو للمشتري ، وإلا فهو للبائع وتشقق بعضه وإن قل كتشقق كله انتهى فعلم أن غير المشقق تارة يصح وتارة لا يصح فانظر الضابط ، وكان ما يبقى سنين المقصود الأصل فيصح ، وإن لم يتشقق ودخل تبعا وغيره المقصود الثمرة ففصل فليتأمل ا هـ سم قول المتن ( ولا بأس ) أي : لا يضر ( قوله : وهو بكسر ) إلى قوله وأيضا في النهاية ( قوله : وعاء نحو الطلع ) أي : فالمراد بالكمام هنا المفرد تجوزا نظير ما سيأتي قريبا ا هـ رشيدي ( قوله : كرمان ) إلى المتن في المغني ( قوله : الأرز كالشعير ) أي في أن له كماما واحدا ( قوله : إنما هو ) أبدله النهاية بلعله ( قوله : وإنما لم يصح إلخ ) فعلم جواز البيع [ ص: 466 ] للأرز في قشرته والسلم فيه في قشره الأسفل دون الأعلى ا هـ سم .

( قوله : لما يأتي ) أي : لأن البيع يعتمد المشاهدة بخلاف السلم فإنه يعتمد الصفات ، وهي لا تفيد الغرض في ذلك لاختلاف القشر خفة ورزانة ولأن عقد السلم عقد غرر فلا يضم إليه غرر آخر بلا حاجة وما نقل عن فتاوى المصنف من أن الأصح جواز السلم في الأرز محمول على المقشور نهاية ومغني ( قوله استعمالا له ) أي : للفظ الكمام ، وكذا ضمير إذ هو جمع ( قوله : فقياس مثناه ) أي : مثنى كمامة ، أو كم ، قول المتن ( والباقلا ) بتشديد اللام مع القصر ويكتب بالياء وبالتخفيف مع المد ويكتب بالألف ، وقد يقصر ا هـ نهاية ( قوله : صحة بيع القصب ) ينبغي ، ولو مزروعا ؛ لأن ما يستتر منه في الأرض غير مقصود غالبا كما مر ، وفي فتاوى السيوطي وشراء القلقاس ، وهو مدفون في الأرض باطل سم على حج ا هـ ع ش ( قوله : وإلا جاز ) خلافا للنهاية والمغني ( قوله : لحفظه ) إلى المتن في النهاية ( قوله : والإجماع الفعلي عليه ) مبتدأ وخبر ( قوله : قيل ومثله اللوبيا ) أي : الرطب اعتمده المغني ( قوله : قبل انعقاد الأسفل ) أي اشتداده



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث