الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اختلاف المتبايعين

جزء التالي صفحة
السابق

( ولو ادعى ) أحد العاقدين ( صحة البيع ) ، أو غيره من العقود ( و ) ادعى ( الآخر فساده ) باختلال ركن ، أو شرط على المعتمد كأن ادعى أحدهما رؤيته وأنكرها الآخر على المعتمد أيضا ( فالأصح تصديق مدعي الصحة بيمينه ) غالبا ؛ لأن الظاهر في العقود الصحة وأصل عدم العقد الصحيح يعارضه أصل عدم الفساد في الجملة ، ولو أقر بالرؤية لم تقبل دعواه عدمها للتحليف ؛ لأنه لم يعتد فيها إقرار على رسم القالة ويستحيل شرعا تأخرها عن العقد كما لو أقر بإتلاف مال ثم قال إنما أقررت به لعزمي عليه بخلافه بنحو القبض ؛ لأنه اعتيد فيه التأخير عن العقد ، ومن غير الغالب ما لو باع ذراعا من أرض معلومة الذرع ثم ادعى إرادة ذراع معين ليفسد البيع وادعى المشتري شيوعه فيصدق البائع بيمينه [ ص: 484 ] لأن ذلك لا يعلم إلا منه وما لو زعم أحد متصالحين وقوع صلحهما على إنكار فيصدق بيمينه أيضا ؛ لأنه الغالب أي مع قوة الخلاف فيه وزيادة شيوعه ووقوعه .

وبه يندفع إيراد صور الغالب فيها وقوع المفسد المدعى ومع ذلك صدقوا مدعي الصحة فيها وما لو زعم أنه عقد ، وبه نحو صبا أمكن ، أو جنون ، أو حجر وعرف له ذلك فيصدق فيما عدا النكاح بيمينه أيضا وإن سبق إقراره بضده لوقوعه حال نقصه كذا قيل ، ورد بقول البيان لو أقر بالاحتلام لم يقبل رجوعه عنه ويؤخذ من ذلك أن من وهب في مرضه شيئا فادعت ورثته غيبة عقله حال الهبة لم يقبلوا إلا إن علم له غيبة قبل الهبة وادعوا استمرارها إليها وجزم بعضهم بأنه لا بد في البينة بغيبة العقل إن تبين ما غاب به أي : لئلا تكون غيبته بما يؤاخذ به كسكر تعدى به وما لو اشترى نحو مغصوب وقال كنت أظن القدرة فبان عجزي فيصدق بيمينه لاعتضاده بالغصب وما لو ادعت أن نكاحها بلا ولي ، ولا شهود فتصدق بيمينها ؛ لأن ذلك إنكار لأصل العقد ، ومن ثم يصدق منكر أصل نحو البيع ، ولو أتى المشتري بخمر ، أو بما فيه فأرة وقال قبضته كذلك فأنكر المقبض صدق بيمينه ، ولو فرغه في ظرف المشتري فظهرت فيه فأرة فادعى كل أنها من عند الآخر صدق البائع بيمينه إن أمكن صدقه ؛ لأنه مدع للصحة ولأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن والأصل أيضا براءة البائع كما في نظيره من السلم إذا اختلفا هل قبض المسلم إليه رأس ماله قبل التفرق ، أو بعده فإن أقاما بينتين في المسألتين قدمت بينة مدعي الصحة وقول ابن أبي عصرون إن كان مال كل بيده حلف المنكر ، وإلا فصاحبه ضعيف ويجري هذا في الاختلاف في قبض العوضين في الربا قبل التفرق ، أو بعده

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : كأن ادعى أحدهما رؤيته وأنكرها الآخر ) فعلم أنهما لو اختلفا في الرؤية كان القول قول مثبتها من بائع ، أو مشتر قال م ر بخلاف ما لو اختلفا في كيفية الرؤية فالقول قول الرائي ؛ لأنه أعلم بها أي : كأن ادعى أنه رآه من وراء زجاج وقال الآخر بل رأيته بلا حيلولة زجاج فالقول قول مدعي الرؤية من وراء زجاج كما أفتى به فليراجع ففيه نظر وأفتى بخلافه خط جريا على إطلاقهم تصديق مدعي الصحة فليتأمل ( قوله : معلومة الذرع ) كان وجه هذا التقييد أن مجهولتها لا تفيد دعوى المشتري شيوع الذراع في الصحة ؛ إذ لا يصير المبيع معلوما بل هو على جهله بخلاف المعلومة ؛ إذ يصير معلوما بالجزئية فليحرر ( قوله : ذراع معين ) قال في شرح العباب إن قصده ( قوله : وادعى المشتري شيوعه ) قال شيخنا الشهاب البرلسي المراد من هذا أن الذرعان معلومة كعشرة وقال بعتك ذراعا بدينار مثلا فقال اشتريت ثم قال البائع عند الاختلاف أردت بقولي ذراعا أنه يفرز لك ذراع معين من العشرة نتفق عليه وقال المشتري بل أردت ذراعا شائعا في العشرة فيكون المبيع العشر هذا مراده كما يعلم بمراجعة الإسنوي ، ولا يصح غير هذا والله أعلم ا هـ ما كتبه على شرح المنهج وعبارة الإسنوي التي أشار إليها هي قوله : فادعى البائع أنه أراد ذراعا معينا حتى لا يصح العقد لاختلاف الغرض في تعيينه وادعى المشتري الشيوع حتى يصح ويكون كأنه باعه العشر مثلا على تقدير أن يكون ذرعها عشرة ا هـ وقال شيخنا الطبلاوي رحمه الله تعالى المراد بالمعين [ ص: 484 ] هنا المبهم لا الشخص بأن قال أردت ذراعا أوله هذا المكان وآخره ذاك ؛ لأن إرادة ذلك لا يترتب عليها الفساد حتى يصح قوله ليفسد البيع ا هـ ويمكن أن يقال قصده المعين بالشخص دون المشترى يقتضي فساد البيع فليتأمل ثم رأيت عبارة الشارح في شرح العباب تشعر بذلك ( قوله فتصدق بيمينها ) المعتمد تصديق الزوج بيمينه وما نقل عن النص تفريع على القول بتصديق مدعي الفساد م ر



حاشية الشرواني

( قوله : أو غيره إلخ ) كذا في النهاية والمغني ( قوله : باختلال ) إلى المتن في النهاية والمغني ( قوله : على المعتمد ) راجع إلى قوله ، أو شرط ( قوله كأن ادعى أحدهما رؤيته إلخ ) فعلم أنهما لو اختلفا في الرؤية كان القول قول مثبتها من بائع ، أو مشتر قال م ر بخلاف ما لو اختلفا في كيفية الرؤية فالقول قول الرائي ؛ لأنه أعلم بها أي : كأن ادعى أنه رآه من وراء زجاج وقال الآخر بل رأيته بلا حيلولة زجاج فالقول قول مدعي الرؤية من وراء زجاج كما أفتى به فليراجع ، وفيه نظر وأفتى بخلافه خط جريا على إطلاقهم بتصديق مدعي الصحة فليتأمل سم على حج وإطلاق الشارح م ر يوافق ما وجه به الخطيب ، وهو الموافق للقواعد ا هـ ع ش ( قوله : لأنه لم يعتد فيها إلخ ) أي : لم يصر عادة في الرؤية ويؤخذ منه جواب حادثة وقع السؤال عنها ، وهي أن شخصا اشترى من تاجر مقطعا من القماش بثلاثة قروش ثم سأله أحد أتباع الظلمة عن ثمنه فقال اشتريته بخمسة لدفعه عنه فاندفع ثم أحضر للبائع الثلاثة المذكورة فأقام بينة بما أقر به فهل له تحليفه أم لا ، وهو أي : الجواب أن يقال يحتمل أن رسم القبالة ليس بقيد بل المدار على شبهة تقوي جانبه فله تحليف البائع ويحتمل أن يقال ليس له تحليفه والأقرب الأول ، وقد قالوا لو أنكر كونه وكيلا ، أو كونه وديعا لغرض لا ينعزل بذلك بخلاف ما إذا أنكره لا لغرض ا هـ ع ش .

( قوله : تأخرها ) أي : الرؤية المشروطة للبيع ( قوله : بخلافه ) أي : الإقرار ( بنحو القبض ) أي : كالإجارة والفسخ ( قوله : ومن غير الغالب ) إلى قوله أي : مع قوة في النهاية والمغني ( قوله : معلومة الذرع ) أي : هما يعلمان ذرعانها كردي ومغني قال سم وأقره ع ش كان وجه هذا التقييد أن مجهولتها لا تفيد دعوى المشتري شيوع الذراع في الصحة ؛ إذ لا يصير المبيع معلوما بل هو على ما جهله بخلاف المعلومة إذ يصير معلوما بالجزئية ا هـ .

( قوله : ذراع معين ) أي : غير مشاع بدليل مقابلته به ؛ إذ الصورة أنه مبهم حتى يتأتى البطلان ا هـ رشيدي عبارة ع ش والشهاب البرلسي قوله إرادة ذراع معين أي : مبهم بأن قال البائع عند الاختلاف أردت بقولي ذراعا أنه يفرز لك ذراع معين من العشرة نتفق عليه ا هـ ويوافقها قول المغني فادعى أنه أراد ذراعا معينا مبهما ا هـ .

وفي سم قال شيخنا الطبلاوي رحمه الله تعالى المراد بالمعين المبهم لا الشخص بأن قال أردت ذراعا أوله هذا المكان وآخره ذاك ؛ لأن إرادة ذلك لا يترتب عليها الفساد حتى يصح قوله : ليفسد البيع ا هـ ويمكن أن يقال قصده المعين بالشخص دون المشترى يقتضي فساد البيع فليتأمل ثم رأيت عبارة الشارح في شرح العباب تشعر بذلك ا هـ .

( قوله : وادعى المشتري شيوعه ) أي : ليصح البيع [ ص: 484 ] ويكون المبيع العشر على تقدير أن يكون ذرعها عشرة ( قوله : لأن ذلك ) أي : إرادته المعين ( قوله : على إنكار ) أي : ليفسد الصلح ا هـ ع ش ( قوله : لأنه ) أي : وقوع الصلح على الإنكار ( قوله : فيه ) أي : في الصلح على الإنكار أي : في صحته ( قوله : وبه يندفع ) أي : بقوله مع قوة الخلاف إلخ ا هـ كردي وقوله المدعى بصيغة اسم المفعول نعت للمفسد ( قوله : ومع ذلك ) أي : مع غلبة وقوع الفساد في هذه الصور ( قوله : وما لو زعم أنه عقد إلخ ) إلى قوله وما لو ادعت في النهاية إلا قوله : فيما عدا النكاح ( قوله : فيما عدا النكاح ) أي : فلو وقع ذلك في النكاح فالمصدق الزوج ا هـ ع ش ( قوله : كذا قيل ) وجرى صاحب الأنوار كالشيخين على خلافه ا هـ نهاية قال الرشيدي قوله : م ر على خلافه أي : من عدم تصديقه فتستقر صحة البيع خلافا لما وقع في حاشية الشيخ فالحاصل أن ما جرى عليه الشيخان هو الراجح ا هـ .

( قوله : كذا قيل ) المشار إليه قوله : وإن سبق إلخ ا هـ كردي ( قوله : بقول البيان إلخ ) ويمكن حمل الأول على ما إذا أقر بالبلوغ ، ولم يذكر سببه فتقبل دعواه الصبا بعد لاحتمال أن يظن ما ليس سببا للبلوغ بلوغا كنتوء طرف الحلقوم وافتراق الأرنبة وغير ذلك فلا تكون دعواه الصبا مناقضة صريحة لإقراره بالبلوغ بخلاف إقراره باحتلام ا هـ ع ش بأدنى تصرف ( قوله : ويؤخذ من ذلك ) أي : من اشتراط تعرف الجنون ، أو الحجر في تصديق مدعيهما ( قوله : كسكر تعدى ) أي : فتصح هبته مع غيبة عقله ا هـ ع ش .

( قوله : فيصدق بيمينه إلخ ) وفاقا للمغني قوله : فيصدق ( بيمينها ) والراجح أن القول قول الزوج بيمينه نهاية ومغني عبارة سم المعتمد تصديق الزوج بيمينه وما نقل عن النص تفريع على القول بتصديق مدعي الفساد م ر ا هـ .

( قوله : إنكار لأصل العقد ) إن توافقا على صورة الإيجاب والقبول فما معنى كونه إنكارا لأصل العقد لكن ، وإن لم يتفقا على ذلك واضح أنه حينئذ إنكار لأصل العقد يبعد حينئذ وقوع المخالفة فيه بين الأصحاب فليحرر محل النزاع ا هـ سيد عمر .

( قوله : ولو أتى المشتري ) إلى قوله ويجري في النهاية ( قوله : ولو فرغه في ظرف المشتري ) خرج به ما لو كان في ظرف البائع فالقول قول المشتري ا هـ ع ش عبارة السيد عمر تقدم هذا الفرع في أول باب المبيع قبل قبضه بنحو ما هنا مع مزيد بسط ثم تعقبه بأن وضع البائع المبيع في ظرف المشتري لا يحصل به القبض أي : فحصل التنجيس على تقدير كون الفأرة في ظرف المشتري قبل القبض ، وهو تلف وتلف المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ، فإن كان ما هنا مصورا بنحو ما تقدم فيرد عليه نحو ما تقدم من التعقب ويكون سكوته هنا للعلم به مما تقدم ، وإن صور بخلاف ما تقدم فلا إشكال بأن يصور جواب البائع هنا بأفرغته لك في ظرفك مع سلامته وخلو ظرفك من الفأرة ثم نقلته نقلا تم به القبض ثم وقعت الفأرة وعلى هذا التصوير فلا إشكال في عدم تعقبه ا هـ .

( قوله : كما في نظيره إلخ ) أي كما أن المصدق مدعي الصحة في نظيره من السلم إلخ تفصيله ما في شرح الروض من أنه إن قال المسلم أقبضتك رأس المال بعد التفرق فقال بل قبله وأقاما بينتين قدمت بينة المسلم إليه ؛ لأنها مع موافقتها للظاهر ناقلة والأخرى مستصحبة سواء كان رأس المال بيد المسلم إليه أم بيد المسلم بأن قال المسلم إليه قبضته قبل التفرق ثم أودعتكه ، أو غصبت مني فإن لم تكن بينة صدق مدعي الصحة ا هـ كردي ( قوله : في المسألتين ) هما قوله : ولو أتى المشتري إلخ ، وقوله : ولو فرغه إلخ كردي و ع ش ( قوله : ويجري هذا ) أي : تصديق مدعي الصحة وتقديم بينته ا هـ كردي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث