الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر

قوله تعالى : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر .

أخرج ابن جرير عن الحسن ، وإبراهيم النخعي، قالا : إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائما أفطر .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : الصيام في السفر مثل الصلاة، تقصر إذا أفطرت، وتصوم إذا وفيت الصلاة .

وأخرج سفيان بن عيينة ، وابن سعد ، وعبد بن حميد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، والبيهقي في "سننه"، عن أنس بن مالك القشيري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر [ ص: 238 ] الصلاة، وعن الحبلى والمرضع" .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال : عسر ويسر، فخذ بيسر الله .

وأخرج مالك ، والشافعي ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، فقال : " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" .

وأخرج الدارقطني وصححه، عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال : يا رسول الله، إني أجد قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي رخصة من الله تعالى، من أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه" . [ ص: 239 ] وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والحاكم ، عن حمزة بن عمرو الأسلمي : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، فقال : "إن شئت أن تصوم فصم، وإن شئت أن تفطر فأفطر" .

وأخرج عبد بن حميد ، والدارقطني ، عن عائشة قالت : كل قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر .

وأخرج الخطيب في "تالي التلخيص" عن معاذ بن جبل قال : صام النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزلت عليه آية الرخصة في السفر .

وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي عياض قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم مسافرا في رمضان، فنودي في الناس : من شاء صام، ومن شاء أفطر ، فقيل لأبي عياض : كيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : صام، وكان أحقهم بذلك .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : لا أعيب على من صام، ولا على من أفطر في السفر .

وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد بن المسيب، وعامر، أنهما اتفقا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون في رمضان، فيصوم الصائم، ويفطر المفطر، فلا يعيب المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر .

[ ص: 240 ] وأخرج مالك ، والشافعي ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، وأبو داود ، عن أنس بن مالك قال : سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم .

وأخرج مسلم، والترمذي ، والنسائي ، عن أبي سعيد الخدري، قال : كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر، وكانوا يرون أنه من وجد قوة فصام محسن، ومن وجد ضعفا فأفطر محسن .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس من البر الصيام في السفر" .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه، عن كعب بن عاصم الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس من البر الصيام في السفر" . [ ص: 241 ] وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عمر قال : لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إلي من أن أصوم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، عن ابن عمر قال : الإفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر ، أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال : رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر ، أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال : لو تصدقت بصدقة فردت، ألم تكن تغضب؟ إنما هو صدقة تصدقها الله عليكم .

وأخرج النسائي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، عن ابن عباس قال : الإفطار في السفر عزمة . [ ص: 242 ] وأخرج عبد بن حميد ، عن محرر بن أبي هريرة ، أنه كان في سفر، فصام رمضان، فلما رجع أمره أبو هريرة أن يقضيه .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة : أن عمر أمر رجلا صام رمضان في السفر أن يعيد .

وأخرج وكيع ، وعبد بن حميد ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال : إن كان أهون عليك فصم ، وفي لفظ : إذا كان يسر فصوموا، وإذا كان عسر فأفطروا ، قال الله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر .

وأخرج عبد بن حميد ، والنسائي ، وابن جرير ، عن خيثمة قال : سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، فقال : يصوم . قلت : فأين هذه الآية : فعدة من أيام أخر قال : إنها نزلت يوم نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعا وننزل على شبع .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، عن أنس قال : من أفطر قبل رخصة، ومن صام فهو أفضل .

وأخرج عبد بن حميد ، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، ومجاهد ، أنهم قالوا [ ص: 243 ] في الصوم في السفر : إن شئت فأفطر، وإن شئت فصم، والصوم أفضل .

وأخرج عبد بن حميد من طريق العوام بن حوشب، عن مجاهد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر في السفر، ويرى أصحابه أنه يصوم، ويقول : " كلوا إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" . قال العوام : فقلت لمجاهد : فأي ذلك ترى؟ قال : صوم في رمضان أفضل من صوم في غير رمضان .

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي البختري قال : قال عبيدة : إذا سافر الرجل، وقد صام في رمضان، فليصم ما بقي، ثم قرأ هذه الآية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال : وكان ابن عباس يقول : من شاء صام، ومن شاء أفطر .

وأخرج عبد بن حميد ، عن محمد بن سيرين، سألت عبيدة قلت : أسافر في رمضان؟ قال : لا .

وأخرج عبد بن حميد ، عن إبراهيم قال : إذا أدرك الرجل رمضان فلا يخرج، وإن خرج وقد صام شيئا منه فليصمه في السفر، فإنه أن يقضيه في رمضان أحب إلي من أن يقضيه في غيره .

وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي مجلز قال : إذا دخل شهر رمضان فلا يسافرن الرجل، فإن أبى إلا أن يسافر فليصم .

[ ص: 243 ] وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم ، أن إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة يسلم عليها وهو في رمضان، فقالت : أين تريد؟ قال : العمرة . قالت : قعدت حتى دخل هذا الشهر! لا تخرج . قال : إن أصحابي وثقلي قد خرجوا . قالت : وإن، فرده ثم أقم حتى تفطر .

وأخرج عبد بن حميد عن أم درة قالت : كنت عند عائشة، فجاء رسول أخي وذلك في رمضان، فقالت لي عائشة : ما هذا؟ فقلت : رسول أخي، يريد أن يخرج ، فقالت : لا يخرج حتى ينقضي الشهر، فإن رمضان لو أدركني وأنا في الطريق لأقمت .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لا بأس أن يسافر الرجل في رمضان، ويفطر إن شاء .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لم يجعل الله رمضان قيدا .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : من أدركه شهر رمضان، فلا بأس أن يسافر ثم يفطر .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو داود ، عن سنان بن سلمة بن محبق الهذلي، [ ص: 245 ] عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدركه" .

وأخرج ابن سعد، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها" .

وأخرج الطبراني، عن أنس بن مالك، عن رجل من بني كعب قال : أغارت علينا خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيت إليه وهو يأكل، فقال : " اجلس فأصب من طعامنا هذا" ، فقلت : يا رسول الله، إني صائم ، قال : " اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصوم ، إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع الصوم عن المسافر والمريض والحامل" .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة : فعدة من أيام أخر قال : إن شاء وصل، وإن شاء فرق .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس في قضاء رمضان قال : إن شاء تابع، وإن شاء فرق؛ لأن الله تعالى يقول : [ ص: 246 ] فعدة من أيام أخر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، عن ابن عباس في قضاء رمضان : صمه كيف شئت . وقال ابن عمر : صمه كما أفطرته .

وأخرج مالك ، وابن أبي شيبة ، عن ابن عمر قال : يصوم شهر رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر .

وأخرج سعيد بن منصور ، والبيهقي ، عن أنس ، أنه سئل عن قضاء رمضان فقال : إنما قال الله : فعدة من أيام أخر فإذا أحصى العدة فلا بأس بالتفريق .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، والبيهقي ، عن أبي عبيدة بن الجراح ، أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقا، فقال : إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، فأحص العدة واصنع ما شئت .

وأخرج الدارقطني، عن رافع بن خديج قال : أحص العدة وصم كيف شئت .

[ ص: 247 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، عن معاذ بن جبل ، أنه سئل عن قضاء رمضان، فقال : أحص العدة وصم كيف شئت .

وأخرج الدارقطني، عن عمرو بن العاص قال : فرق قضاء رمضان، إنما قال الله : فعدة من أيام أخر .

وأخرج وكيع ، وابن أبي حاتم ، عن أبي هريرة ، أن امرأة سألته : كيف تقضي رمضان؟ فقال : صومي كيف شئت، وأحصي العدة، فإنما يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر .

وأخرج ابن المنذر ، والدارقطني وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن عائشة قالت : نزلت : " فعدة من أيام أخر متتابعات " ، فسقطت (متتابعات) . قال البيهقي : أي نسخت .

وأخرج الدارقطني وضعفه، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يفرقه" .

وأخرج الدارقطني وضعفه، عن عبد الله بن عمرو : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن [ ص: 248 ] قضاء رمضان : فقال : "يقضيه تباعا، وإن فرقه أجزأه" .

وأخرج الدارقطني، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان : " إن شاء فرق، وإن شاء تابع" .

وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس ، مثله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، عن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان، فقال : " ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين، فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء؟ فالله تعالى أحق أن يعفو ويغفر" . قال الدارقطني : إسناد حسن إلا أنه مرسل . ثم رواه من طريق آخر موصولا ، عن جابر مرفوعا وضعفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث