الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى : ويستفتونك في النساء الآية .

أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله : ويستفتونك في النساء الآية، قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام قال :ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في أول السورة في الفرائض .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير، قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، لا يرث الصغير ولا المرأة شيئا، فلما نزلت المواريث في سورة (النساء) شق ذلك على الناس، وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث [ ص: 61 ] الرجل، فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما منه بد، ثم قالوا : سلوا، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في أول السورة، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن : وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها، واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون : لا يغزون ولا يغنمون خيرا، ففرض الله لهن الميراث حقا واجبا .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن إبراهيم في الآية قال : كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها، فأنزل الله هذا .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيرغب أن ينكحها، ولا يعطيها مالها، رجاء أن تموت فيرثها، وإن [ ص: 62 ] مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئا، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك، وكانوا لا يورثون الصغير، والضعيف شيئا، فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث .

وأخرج ابن جرير ، عن السدي في الآية قال : كان جابر بن عبد الله له ابنة عم عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت من أبيها مالا، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها، رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان ناس في حجورهم جواري أيضا مثل ذلك، فأنزل الله فيهم هذا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، من طريق السدي ، عن أبي مالك في قوله : وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن قال : كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوجها، ولم يترك أحدا يتزوجها، والمستضعفين من الولدان قال : كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن سعيد بن جبير في قوله : وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء قال : ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبيا حتى يحتلم . [ ص: 63 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في (سننه) عن عائشة في قوله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن إلى قوله : وترغبون أن تنكحوهن قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية .

وأخرج البخاري، ومسلم ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن عائشة قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء : 3] قالت : وقول الله وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن . [ ص: 64 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك، ونهى عنه، وكانوا لا يورثون الصغار، ولا البنات، وذلك قوله : لا تؤتونهن ما كتب لهن فنهى الله عنه، وبين لكل ذي سهم سهمه، صغيرا كان أو كبيرا .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا ينكحها رغبة في مالها .

وأخرج القاضي إسماعيل في (أحكام القرآن) عن عبد الملك بن محمد بن حزم، أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل عنها بأحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها، ففيها نزلت : ويستفتونك في النساء الآية .

وأخرج ابن المنذر ، من طريق ابن عون، عن الحسن ، وابن سيرين في هذه الآية، قال أحدهما : ترغبون فيهن، وقال الآخر : ترغبون عنهن .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، عن الحسن في قوله : [ ص: 65 ] وترغبون أن تنكحوهن قال : ترغبون عنهن .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، عن عبيدة : وترغبون أن تنكحوهن قال : ترغبون عنهن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث