الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين

جزء التالي صفحة
السابق

فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين

ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصال ، فلم يقلعوا عما كانوا عليه ، بل ازدادوا في الغي فمسخهم بعد ذلك ; لقوله تعالى : فلما عتوا عن ما نهوا عنه ; أي : تمردوا وتكبروا ، وأبوا أن يتركوا ما نهوا عنه .

قلنا لهم كونوا قردة خاسئين صاغرين أذلاء بعداء عن الناس ، والمراد بالأمر هو الأمر التكويني لا القولي ، وترتيب المسخ على العتو عن الانتهاء عما نهوا عنه ; للإيذان بأنه ليس لخصوصيات الحوت ، بل العمدة في ذلك هو مخالفة الأمر ، والاستعصاء عليه تعالى .

وقيل : المراد بالعذاب البئيس : هو المسخ ، والجملة الثانية تقرير للأولى . روي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت ، وهو المعني بقوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ; فابتلوا به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه ، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت كأنها المخاض ، لا يرى وجه الماء لكثرتها ، ولا تأتيهم في سائر الأيام ، فكانوا على ذلك برهة من الدهر ، ثم جاءهم إبليس فقال لهم : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا حياضا سهلة الورود صعبة الصدور ; ففعلوا ، فجعلوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت ، فلا تقدر على الخروج منها ويأخذونها يوم الأحد .

وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى [ ص: 287 ] خشبة في الساحل ، ثم شواه يوم الأحد ، فوجد جاره ريح السمك فتطالع في تنوره ، فقال له : إني أرى الله سيعذبك ; فلما لم يره عذب ، أخذ في يوم السبت القابل حوتين ، فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم استمروا على ذلك ، فصادوا وأكلوا ، وملحوا وباعوا ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، فصار أهل القرية أثلاثا ، ثلث استمروا على النهي ، وثلث ملوا التذكير وسئموه ، وقالوا للواعظين : لم تعظون ... إلخ ، وثلث باشروا الخطيئة ; فلما لم ينتهوا قال المسلمون : نحن لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار ، للمسلمين باب وللمعتدين باب .

ولعنهم داود عليه السلام ، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ، ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن لهم لشأنا فعلوا الجدار ، فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسباءهم من الإنس وهم لا يعرفونها ، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه فيبكي ، فيقول له نسيبه : ألم ننهكم ، فيقول القرد برأسه : بلى ، ثم ماتوا عن ثلاث .

وقيل : صار الشبان قردة ، والشيوخ خنازير ، وعن مجاهد رضي الله عنه : مسخت قلوبهم . وقال الحسن البصري : أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة ، هاه وايم الله ما حوت أخذه قوم ، فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ، ولكن الله تعالى جعل موعدا والساعة أدهى وأمر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث