الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب الفدية وبيان أقسامها وأحكامها وهي مصدر فدى يفدي فداء وشرعا ( ما يجب بسبب نسك ) كدم تمتع أو قران أو واجب بفعل محظور في إحرام أو ترك واجب ( أو ) بسبب ( حرم ) كصيد الحرم المكي ونباته ( وهي ) أي الفدية ( ثلاثة أضرب ) لكن الثالث لا يخرج عن الضربين قبله ( ضرب ) يجب ( على التخيير وهو نوعان نوع ) منهما ( يخير فيه ) خرج ( بين ذبح شاة ، أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين ) منهم ( مد بر ، أو نصف صاع تمر ، أو ) نصف صاع ( شعير ) أو زبيب أو أقط ومما يأكله أفضل

وينبغي أن يكون بإدام ( وهي فدية لبس مخيط وطيب وتغطية رأس ) ذكر ، أو وجه أنثى ( وإزالة أكثر من شعرتين أو أكثر من ظفرين ) لقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ; ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة { لعل أذاك هوام رأسك ؟ قال : نعم يا رسول الله فقال : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة } متفق عليه ولفظة ( أو ) للتخيير وخصت الفدية بالثلاثة لأنها جمع واعتبرت في مواضع بخلاف ربع الرأس وقيس على الحلق باقي المذكورات لأن تحريمها فيه للترفه أشبهت الحلق ، وغير المعذور ثبت الحكم فيه بطريق التبعية له

النوع ( الثاني جزاء الصيد يخير فيه ) من وجب عليه ( بين ) ذبح ( مثل ) الصيد من النعم ، وإعطائه لفقراء الحرم ، أي وقت شاء فلا يختص بأيام النحر ولا يجزئه أن يتصدق به حيا ( أو تقويمه ) أي المثل ( بمحل التلف للصيد وبقربه ) أي محل التلف ( بدراهم مثلا يشتري بها ) أي الدراهم التي هي قيمة المثل ( طعاما ) نصا لأن كل مثلي قوم إنما يقوم مثله ، كمال الآدمي

ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم لأنه ليس من المذكورات في الآية ( يجزئ ) إخراجه ( في فطرة كواجب في [ ص: 554 ] فدية أذى وكفارة ) وهو البر ، والشعير ، والتمر ، والزبيب والأقط وله أن يخرج من طعام عنده يعدل ذلك ( فيطعم كل مسكين مد بر ، أو نصف صاع من غيره ) من تمر ، أو زبيب ، أو شعير ، أو أقط ( أو يصوم عن طعام كل مسكين يوما ) لقوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } ( وإن بقي دونه ) أي طعام مسكين ( صام ) عنه ( يوما ) كاملا لأن الصوم لا يتبعض ولا يجب تتابع الصوم

ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم عن بعضه نصا لأنه كفارة واحدة كباقي الكفارات ( ويخير فيما ) أي صيد ( لا مثل له ) من النعم إذا قتله ( بين إطعام ) ما اشتراه بقيمته ، أو إخراجه عنها من طعامه ما يعدلها ( وصيام ) كما تقدم لتعذر المثل

الضرب الثاني من الفدية ما يجب ( مرتبا وهو ثلاثة أنواع أحدها : دم المتعة والقران فيجب هدي ) لقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } " وقيس عليه القارن وتقدم وإذا عدمه ) أي الهدي متمتع ، أو قارن بأن لم يجده ( أو ) عدم ( ثمنه

ولو وجد من يقرضه ) نصا لأن الظاهر استمرار عسرته ولو قدر على الشراء بثمن في ذمته ، وهو موسر ببلده لم يلزمه ذكره في القواعد ( صام عشرة أيام : ثلاثة ) أيام ( في الحج ) أي وقته لأن الحج أفعال لا يصام فيها كقوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } أي فيها ( والأفضل كون آخرها ) أي الثلاثة ( يوم عرفة ) نصا فيقدم الإحرام ليصومها في إحرام الحج واستحب له هنا صوم يوم عرفة لموضع الحاجة ( وله تقديمها ) أي الثلاثة أيام قبل إحرامه بالحج فيصومها ( في إحرام العمرة ) لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز فيه الصوم كإحرام الحج ولجواز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب ، كالكفارة بعد الحلف قبل الحنث وسبب الوجوب هنا قد وجد وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج وعلم منه : أنه لا يجوز صومها ، قبل إحرام عمرة

( ووقت وجوبها ) أي الثلاثة أيام ، أي صومها ( ك ) وقت وجوب ( هدي ) لأنها بدله وتقدم : يجب بطلوع فجر يوم النحر .

( و ) صام ( سبعة ) أيام ( إذا رجع لأهله ) لقوله تعالى : { فمن لم يجد } أي هديا { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، تلك عشرة كاملة } ( وإن صامها ) أي السبعة أيام [ ص: 555 ] ( قبل ) رجوعه إلى أهله ( بعد إحرام بحج ) وفراغه منه ( أجزأه ) صومها

والأفضل إذا رجع إلى أهله ( لكن لا يصح ) صوم شيء منها ( أيام منى ) نصا لبقاء أعمال من الحج قالوا : لأن المراد بقوله تعالى : { إذا رجعتم } أي من عمل الحج ويجوز صومها بعد أيام التشريق .

قال القاضي : إذا كان قد طاف طواف الزيارة ويصح في صوم الثلاثة أيام منى وتقدم ( ومن لم يصم الثلاثة في أيام منى ) وهي أيام التشريق ( صام ) بعد ذلك ( عشرة ) كاملة ( وعليه دم ) لتأخيره واجبا من مناسك الحج عن وقته كتأخير رمي جمار عنها ( مطلقا ) أي لعذر وغيره ( وكذا إن أخر الهدي عن أيام النحر بلا عذر ) فيلزمه دم بتأخيره لذلك لما مر ( ولا يجب تتابع ولا تفريق في صوم الثلاثة ولا ) في صوم ( السبعة ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضاها )

وكذا لو صام الثلاثة أيام منى وأتبعها بالسبعة لأن الأمر بها مطلق فلا يقتضي جمعا ولا تفريقا ( ولا يلزم من قدر على الهدي بعد وجوب صوم ) بأن كان يعد يوم النحر ( انتقال عنه ) أي الصوم ( شرع فيه ) أي الصوم ( أولا ) اعتبارا بوقت الوجوب ، فقد استقر الصوم في ذمته فإن أخرج الهدي إذن أجزأه لأنه الأصل وإن صام قبل لعسرته ثم أيسر وقت وجوبه فقال ابن الزاغوني : لا يجزئه الصوم ، وإطلاق الأكثرين : يخالفه وفي كلام بعضهم تصريح به ذكره في القاعدة الخامسة

النوع ( الثاني ) من الضرب الثاني ( المحصر يلزمه هدي ) لقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ( فإن لم يجد ) هديا ( صام عشرة أيام ) بنية التحلل ( ثم حل ) قياسا على دم تمتع وليس له التحلل قبل الذبح أو الصوم ( النوع الثالث ) من الضرب الثاني ( فدية الوطء ويجب به ) أي الوطء ( في حج قبل التحلل الأول بدنة فإن لم يجدها ) أي البدنة ( صام عشرة أيام ثلاثة فيه ) أي الحج ( وسبعة إذا رجع ) أي فرغ من أفعال الحج ، كدم متعة ، لقضاء الصحابة ( و ) يجب بوطء ( في عمرة شاة ) لما تقدم في الباب قبله ( والمرأة ) إن طاوعت ( كالرجل ) فيما ذكر

( الضرب الثالث : دم وجب لفوات ) الحج إن لم يشترط أن محلي حيث حبستني ( أو ) وجب ل ( ترك واجب ) من واجبات حج أو عمرة وتأتي ( أو ) وجب ( لمباشرة دون فرج فما أوجب ) منه ( بدنة كما لو باشر دون فرج فأنزل أو كرر النظر ) فأنزل ( أو قبل أو لمس لشهوة فأنزل ) [ ص: 556 ] أي أمنى ( أو استمنى فأمنى فحكمها ) أي البدنة الواجبة بذلك ( كبدنة وطء ) في فرج قياسا عليها فإذا وجدها نحرها ، وإلا صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأنه يوجب الغسل ، أشبه الوطء ( وما أوجب ) من ذلك ( شاة ، كما لو أمذى بذلك ) أي المباشرة دون الفرج وتكرار النظر والتقبيل واللمس لشهوة فكفدية أذى ( أو باشر ولم ينزل ، أو أمنى بنظرة فكفدية أذى ) لما فيه من الترفه

وكذا لو وطئ في العمرة قال ابن عباس فيمن وقع على امرأة في العمرة قبل التقصير " عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك " رواه الأثرم وكذا لو وطئ بعد التحلل الأول في الحج ( وخطأ في الكل ) أي كل ما ذكر من مباشرة دون فرج ، وتكرار نظر ، وتقبيل ولمس لشهوة ، أنزل أو أمذى أو لا ( كعمد ) في حكم الفدية كالوطء ( وأنثى مع شهوة ) فيما سبق ( كرجل ) فيما يجب من الفدية كالوطء ( وما وجب ) من فدية ( لفوات ) حج ( أو ترك واجب فكمتعة ) تجب شاة فإن لم يجد صام عشرة أيام لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه أشبه المترفه بترك أحد السفرين لكن لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام قبل النحر ; لأن الفوات إنما يكون بطلوع فجره قبل الوقوف ( ولا شيء ) أي لا فدية ( على من فكر فأنزل ) لحديث { عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم } متفق عليه ولا يقاس على تكرار النظر ; لأنه دونه في استدعاء الشهوة وإفضائه إلى الإنزال ، ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية ، أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة فيبقى على الأصل

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث