الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وشاورهم في الأمر

جزء التالي صفحة
السابق

قوله (تعالى): وشاورهم في الأمر ؛ اختلف الناس في معنى أمر الله (تعالى) إياه بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من الصحابة ؛ فقال قتادة ؛ والربيع بن أنس ؛ ومحمد بن إسحاق : "إنما أمره بها تطييبا لنفوسهم؛ ورفعا من أقدارهم؛ إذ كانوا ممن يوثق بقوله؛ ويرجع إلى رأيه"؛ قال سفيان بن عيينة : "أمره بالمشاورة لتقتدي به أمته فيها؛ ولا تراها منقصة؛ كما مدحهم الله (تعالى) بأن أمرهم شورى بينهم"؛ وقال الحسن؛ والضحاك : "جمع لهم بذلك الأمرين جميعا في المشاورة؛ ليكون لإجلال الصحابة؛ ولتقتدي الأمة به في المشاورة"؛ وقال بعض أهل العلم: "إنما أمره بالمشاورة فيما لم ينص له فيه على شيء بعينه"؛ فمن القائلين بذلك من يقول: "إنما هو في أمور الدنيا خاصة"؛ وهم الذين يأبون أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول شيئا من أمور الدين من طريق الاجتهاد؛ وإنما هو في أمور الدنيا خاصة؛ فجائز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعين بآرائهم في ذلك؛ ويتنبه بها على أشياء من وجوه التدبير؛ ما جائز أن يفعلها لولا المشاورة واستشارة آراء الصحابة؛ وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنزول على الماء؛ فقبل منه؛ وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ ؛ وسعد بن عبادة - يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهم؛ وخرق الصحيفة في أشياء من نحو هذا من أمور الدنيا؛ وقال آخرون: كان مأمورا بمشاورتهم في أمور الدين والحوادث التي لا توقيف فيها عن الله (تعالى)؛ وفي أمور الدنيا أيضا؛ مما طريقه الرأي وغالب الظن؛ وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى؛ وكان ذلك من أمور الدين؛ وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا شاورهم فأظهروا آراءهم ارتأى معهم؛ وعمل بما أداه إليه اجتهاده؛ وكان في ذلك ضروب من الفوائد؛ أحدها إعلام الناس أن ما لا نص فيه من الحوادث فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد؛ وغالب الظن ؛ والثاني إشعارهم بمنزلة الصحابة - رضي الله عنهم -؛ وأنهم أهل الاجتهاد؛ وجائز اتباع آرائهم ؛ إذ رفعهم الله إلى المنزلة التي فيها يشاورهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ويرضى اجتهادهم؛ وتحريهم لموافقة النصوص من [ ص: 330 ] أحكام الله (تعالى)؛ والثالث أن باطن ضمائرهم مرضي عند الله (تعالى)؛ لولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم؛ فدل ذلك على يقينهم؛ وصحة إيمانهم؛ وعلى منزلتهم - مع ذلك - من العلم؛ وعلى تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا نصوص فيها ؛ لتقتدي به الأمة بعده - صلى الله عليه وسلم - في مثله؛ وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم؛ ورفع أقدارهم؛ ولتقتدي الأمة به في مثله; لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شووروا فيه؛ وصواب الرأي فيما سئلوا عنه؛ ثم لم يكن ذلك معمولا عليه؛ ولا متلقى منه بالقبول بوجه؛ لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم؛ ولا رفع لأقدارهم؛ بل فيه إيحاشهم؛ وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة؛ ولا معمول عليها؛ فهذا تأويل ساقط؛ لا معنى له؛ فكيف يسوغ تأويل من تأوله: لتقتدي به الأمة؟ مع علم الأمة عند هذا القائل بأن هذه المشورة لم تفد شيئا؛ ولم يعمل فيها بشيء أشاروا به؛ فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها؛ فواجب على الأمة أيضا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل؛ وألا تنتج المشورة رأيا صحيحا؛ ولا قولا معمولا; لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه المقالة كانت على هذا الوجه؛ فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها تنتج رأيا صحيحا؛ وقولا معمولا عليه؛ فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم؛ وإذ قد بطل هذا فلا بد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدة يستفاد بها؛ وأن يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم ضرب من الارتئاء والاجتهاد؛ فجائز حينئذ أن توافق آراؤهم رأي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وجائز أن يوافق رأي بعضهم رأيه؛ وجائز أن يخالف رأي جميعهم؛ فيعمل - صلى الله عليه وسلم - حينئذ برأيه؛ ويكون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنفين في اجتهادهم؛ بل كانوا مأجورين فيه؛ لفعلهم ما أمروا به؛ ويكون عليهم حينئذ ترك آرائهم؛ واتباع رأي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولا بد من أن تكون مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم فيما لا نص فيه؛ إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات؛ ولا يقول لهم: ما رأيكم في الظهر؛ والعصر؛ والزكاة؛ وصيام رمضان؟ ولما لم يخص الله (تعالى) أمر الدين من أمور الدنيا في أمره - صلى الله عليه وسلم - بالمشاورة؛ وجب أن يكون ذلك فيهما جميعا; ولأنه معلوم أن مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر الدنيا إنما كانت تكون في محاربة الكفار؛ ومكايدة العدو؛ وإن لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - تدبير في أمر دنياه ومعاشه يحتاج فيه إلى مشاورة غيره؛ لاقتصاره - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا على القوت؛ والكفاف الذي لا فضل فيه؛ وإذا كانت مشاورته لهم في محاربة العدو؛ ومكايدة الحروب؛ فإن ذلك من أمر الدين؛ ولا [ ص: 331 ] فارق بين اجتهاد الرأي فيه؛ وبينه في أحكام سائر الحوادث التي لا نصوص فيها؛ وفي ذلك دليل على صحة القول باجتهاد الرأي في أحكام الحوادث؛ وعلى أن كل مجتهد مصيب ؛ وعلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يجتهد رأيه فيما لا نص فيه ؛ ويدل على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم؛ ويعمل بما يغلب في رأيه - فيما لا نص فيه - قوله (تعالى) - في نسق ذكر المشاورة -: فإذا عزمت فتوكل على الله ؛ ولو كان فيما شاور فيه شيء منصوص قد ورد التوقيف به من الله (تعالى) لكانت العزيمة فيه متقدمة للمشاورة؛ إذ كان ورود النص موجبا لصحة العزيمة قبل المشاورة؛ وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة؛ وأنه لم يكن فيها نص قبلها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث