الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وسئل رحمه الله تعالى هل هذه الأشياء المطعومات التي يؤخذ عليها المكس وهي مضمنة أو محتكرة هل يحرم على من يشتري منها شيئا ويأكل منها ؟ وإن عامل رجل لإنسان كل ماله حرام مثل ضامن المكس أو من ليس له مال سوى المكس فهل يفسق بذلك .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله . أما إذا كان الرجل يبيع سلعته من طعام أو غيره وعليهما وظيفة تؤخذ من البائع أو المشتري . فهذا لا يحرم السلعة ولا الشراء ; لا على بائعها ولا على مشتريها ولا شبهة في ذلك أصلا .

وكذلك إذا كان المأخوذ بعض السلعة مثل أن يأخذوا من الشاة المذبوحة سواقطها أو من الحبوب والثمار بعضها ومن ظن في ذلك شبهة فهو مخطئ فإن هذا المال المأخوذ ظلما سواء أخذ من البائع أو من المشتري لا يوجب وقوع الشبهة فيما بقي من المال وكما لو ظلم الرجل وأخذ بعض ماله فإن ذلك لا يوجب وقوع الشبهة فيما بقي من ماله .

وهذه الوظائف الموضوعة بغير أصل شرعي : منها ما يكون موضوعا على البائع مثل سوق الدواب ونحوه . فإذا باع سلعته بمال فأخذ منه بعض ذلك الثمن كان ذلك ظلما له وباقي ماله حلال له والمشتري اشترى بماله وربما يزاد عليه في الثمن لأجل الوظيفة فيكون منه زيادة . فبأي وجه يكون فيما اشتراه شبهة ؟ وإن كانت الوظيفة تؤخذ من المشتري فيكون قد أدى الثمن للبائع والزيادة لأجل تلك الكلفة السلطانية ولا شبهة في ذلك ; لا على البائع ولا على المشتري ; لأن المنافع لم تؤخذ إلا بما يستحقه والمشتري قد أدى الواجب وزيادة .

وإذا قيل : هذا في الحقيقة ظلم للبائع ; لأنه هو المستحق جميع الثمن . قيل : هب أن الأمر كذلك ; ولكن المشتري لم يظلمه وإنما ظلمه من أخذ ماله كما لو قبض البائع جميع الثمن ثم أخذت منه الكلفة السلطانية .

وفي الحقيقة فالكلفة تقع عليهما ; لأن البائع إذا علم أن عليه كلفة زاد في الثمن والمشتري إذا علم أن عليه كلفة نقص من الثمن فكلاهما مظلوم بأخذ الكلفة وكل منهما لم يظلم أحدا فلا يكون في مالهما شبهة من هذا الوجه فما يبيعه المسلمون إذا كان ملكا لهم لم يكن في ذلك شبهة بما يؤخذ منهم في الوظائف .

وأما إذا ضمن الرجل نوعا من السلع على أن لا يبيعها إلا هو فهذا ظالم من وجهين : من جهة أنه منع غيره من بيعها وهذا لا يجوز . ومن جهة أنه يبيعها للناس بما يختار من الثمن فيغليها وهؤلاء نوعان .

منهم من يستأجر حانوتا بأكثر من قيمتها إما لمقطع وإما لغيره على أن لا يبيع في المكان إلا هو أو يجعل عليه مالا يعطيه لمقطع أو غيره بلا استئجار حانوت ولا غير ذلك وكلاهما ظالم فإن الزيادة التي يزيدها في الحانوت لأجل منع الثاني من البيع هو بمنزلة الضامن المنفرد .

والنوع الثاني : أن لا يكون عليهم ضمان ; لكن يلتزمون بالبيع للناس كالطحانين والخبازين ونحوهم ممن ليس لهم وظيفة ; لكن عليه أن يبيع كل يوم شيئا مقدرا ويمنعون من سواهم من البيع ; ولهذا جاز التسعير على هؤلاء وإن لم يجز التسعير في الإطلاق . فإن هؤلاء قد أوجبت عليهم المبايعة لهذا الصنف ومنع من ذلك غيرهم فلو مكنوا أن يبيعوا بما أرادوا كان ظلما للمساكين ; بخلاف ما إذا كان الناس كلهم متمكنين من ذلك فإنه يكون كما في السنن عن أنس قال : { غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله سعر لنا فقال : إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في مال } .

وأما في الصورة : فإذا كانوا قد ألزموا بالمبايعة لم يجز أن يلزموا بأن يبيعوا بدون ثمن المثل ; لأن ذلك ظلم لهم وإذا كان غيرهم قد منع من المبايعة لم يجز أن يمكنوا أن يبيعوا بما اختاروا ; فإن ذلك ظلم للناس .

يبقى أن يقال : فهل يجوز التزامهم بمثل ذلك على هذا الوجه على أن يكونوا هم البائعين لهذا الصنف دون غيرهم وأن لا يبيعوه إلا بقيمة المثل من غير مكس يوضع عليهم ؟ فهل يجوز للإمام أن يفعل بهم ذلك أم يجب عليه أن لا يترك أحدا يفعل ذلك ؟ .

قيل : أما إذا اختاروا أن يقوموا بما يحتاج الناس إليه من تلك المبيعات وأن لا يبيعوها إلا بقيمة المثل على أن يمنع غيرهم من البيع ومن اختار أن يدخل معهم في ذلك مكن فهذا لا يتبين تحريمه بل قد يكون في هذا مصلحة عامة للناس وهذا يشبه ما نقل عن عمر في التسعير وأنه قال : إن كنت تبيع بسعر أهل الأسواق وإلا فلا تبع . فإن مصلحة الناس العامة في ذلك أن يباعوا بما يحتاجون إليه وأن لا يباعوا إلا بقيمة المثل وهذان مصلحتان جليلتان .

والباعة إذا اختاروا ذلك لم يكونوا قد أكرهوا عليه فلا ظلم عليهم وغيرهم من الناس لم يمنع من البيع إلا إذا دخل في هذه المصلحة العامة بأن يشاركهم فيما يقومون به بقيمة المثل فيكون الغير قد منع أن يبيع سلعة بأكثر من ثمن المثل وأن لا يبيعها إلا إذا التزم أن يبيع لواحد منهم . وقد يكون عاجزا عن ذلك . وقد يقال : هذان نوعان من الظلم : إلزام الشخص أن يبيع وأن يكون بيعه بثمن المثل وفي هذا فساد . وحينئذ فإن كان أمر الناس صالحا بدون هذا لم يجز احتمال هذا الفساد بلا مصلحة راجحة وأما إن كان بدون هذا لا يحصل للناس ما يكفيهم من الطعام ونحوه أو لا يلقون ذلك إلا بأثمان مرتفعة وبذلك يحصل ما يكفيهم بثمن المثل . فهذه المصلحة العامة يغتفر في جانبها ما ذكر من المنع .

وأما إذا ألزم الناس بذلك فهذا فيه تفصيل ; فإن الناس إذا اضطروا إلى ما عند الإنسان من السلعة والمنفعة وجب عليه أن يبذل لهم بقيمة المثل ومنعه أن لا يبيع سلعة حتى يبيع مقدارا معينا . وتفصيل هذه المسائل ليس هذا موضعه .

إذا تبين ذلك : فالذي يضمن كلفة من المكلف على أن لا يبيع السلعة إلا هو ويبيعها بما يختار لا ريب أنه من جنس ظلم الكلف السلطانية من الوجهين اللذين تقدما ; ولهذا كره من كره معاملة هذا لأجل الشبهة التي في ماله . فإنه إذا كان لا يبيع إلا هو بما يختار صار كأنه يكره الناس على الشراء منه بما يختاره فيأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم وتلك الشبهة قد اختلطت بماله فيصير في ماله شبهة من هذا الوجه ; فلهذا كره من كره معاملتهم .

وهذا سبيل أهل الورع الذين لا يأكلون من الشواء المضمن ونحو ذلك : فإنهم إنما تورعوا عما كان بهذه المثابة وهو أن يكون بحيث لا يشوي إلا هو ولا يبيع الشواء إلا هو بما يختاره ولا يبيع الملح إلا هو بما يختاره والملح ليست كغيرها فإن الملح في الأصل هو من المباحات التي يشترك فيها المسلمون كالسمك وغيره من المباحات إذا لم يمكن من أخذها إلا واحد بضمان عليه والذي يشتريها منه بماله لا يحرم ; لأن هذا المشتري لم يظلم فيه أحدا ; بل لو أخذها من الأصل كان له ذلك ولو استأجر هذا أو غيره ليأخذها له من موضعها المشترك كان ذلك جائزا ولو كانت مشتركة بين المسلمين لكانت تكون أرخص وكان المشتري يأخذها بدون ما أعطاه الضامن فهذا الضامن يظلم المشتري وغيره .

وأما المشترون منه فهم لا يظلمون أحدا ولم يشتروا منه شيئا ملكه بماله فإنما حرم عليه من الظلم من ترك ملكه لا يفوته ولم يظلم فيه أحدا ; لأنها في الأصل مباحة والمسلمون الذين يشترونها هم المظلومون فإنه لولا الظلم لتمكنوا من أخذها بدون الثمن فإذا ظلموا وأخذ منهم أكثر مما عليهم لم يكن ذلك محرما عليهم لما كان مباحا لهم . إذ الظلم إنما يوجب التحريم على الظالم لا على المظلوم .

ألا ترى أن المدلس والغاش ونحوهما إذا باعوا غيرهم شيئا مدلسا لم يكن ما يشتريه المشتري حراما عليه ; لأنه أخذ منه أكثر مما يجب عليه وإن كانت الزيادة التي أخذها الغاش حراما عليه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث