الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                وقد صار الناس في مسمى الإسلام على " ثلاثة أقوال " : قيل : هو الإيمان وهما اسمان لمسمى واحد . وقيل : هو الكلمة وهذان القولان لهما وجه سنذكره لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام ; وإذا أفرد الإسلام ; فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع ; وهذا [ ص: 260 ] هو الواجب ; وهل يكون مسلما ولا يقال له : مؤمن ؟ قد تقدم الكلام فيه . وكذلك هل يستلزم الإسلام للإيمان ؟ هذا فيه النزاع المذكور وسنبينه والوعد الذي في القرآن بالجنة وبالنجاة من العذاب إنما هو معلق باسم الإيمان وأما اسم الإسلام مجردا فما علق به في القرآن دخول الجنة لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه . وبالإسلام بعث الله جميع النبيين قال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } وقال : { إن الدين عند الله الإسلام } وقال نوح : { يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون } { فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } وقد أخبر أنه لم ينج من العذاب إلا المؤمنين فقال : { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل } وقال : { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } وقال نوح : { وما أنا بطارد الذين آمنوا } . وكذلك أخبر عن إبراهيم أن دينه الإسلام فقال تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ ص: 261 ] وقال : { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا } وبمجموع هذين الوصفين علق السعادة فقال : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } كما علقه بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح في قوله : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . وهذا يدل على أن الإسلام الذي هو إخلاص الدين لله مع الإحسان وهو العمل الصالح الذي أمر الله به هو والإيمان المقرون بالعمل الصالح متلازمان فإن الوعد على الوصفين وعد واحد وهو الثواب وانتفاء العقاب فإن انتفاء الخوف علة تقتضي انتفاء ما يخافه ; ولهذا قال : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } لم يقل : لا يخافون فهم لا خوف عليهم وإن كانوا يخافون الله ونفى عنهم أن يحزنوا لأن الحزن إنما يكون على ماض فهم لا يحزنون بحال لا في القبر ولا في عرصات القيامة بخلاف الخوف فإنه قد يحصل لهم قبل دخول الجنة ولا خوف عليهم في الباطن كما قال تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } { الذين آمنوا وكانوا يتقون } . وأما " الإسلام المطلق المجرد " فليس في كتاب الله تعليق دخول الجنة به كما في كتاب الله تعليق دخول الجنة بالإيمان المطلق المجرد كقوله : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } وقال : { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } . وقد وصف الخليل ومن اتبعه بالإيمان كقوله : { فآمن له لوط } ووصفه بذلك فقال : { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ووصفه بأعلى طبقات الإيمان وهو أفضل البرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم . والخليل إنما دعا بالرزق للمؤمنين خاصة فقال : { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } وقال : { واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } { وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } بعد قوله : { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } وقال : { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين } وقد ذكرنا البشرى المطلقة للمسلمين في قوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } . وقد وصف الله السحرة بالإسلام والإيمان معا فقالوا : { آمنا برب العالمين } { رب موسى وهارون } وقالوا : { وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } وقالوا : { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } وقالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } . ووصف الله أنبياء بني إسرائيل بالإسلام في قوله : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } والأنبياء كلهم مؤمنون . ووصف الحواريين بالإيمان والإسلام فقال تعالى : { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } و { قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } . وحقيقة الفرق أن الإسلام دين . و " الدين " مصدر دان يدين دينا : إذا خضع وذل و " دين الإسلام " الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده ; فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه . فمن عبده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلما والإسلام هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له هكذا قال أهل اللغة : أسلم الرجل إذا استسلم ; فالإسلام في الأصل من باب العمل عمل القلب والجوارح . وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب ; والأصل فيه التصديق والعمل تابع له فلهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان " بإيمان القلب وبخضوعه وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وفسر " الإسلام " باستسلام مخصوص هو المباني الخمس . وهكذا في سائر كلامه صلى الله عليه وسلم يفسر الإيمان بذلك النوع ويفسر الإسلام بهذا وذلك النوع أعلى . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { الإسلام علانية والإيمان في القلب } فإن الأعمال الظاهرة يراها الناس وأما [ ص: 264 ] ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن ; لكن له لوازم قد تدل عليه واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزوما فلهذا كان من لوازمه ما يفعله المؤمن والمنافق فلا يدل . ففي حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم } ففسر المسلم بأمر ظاهر وهو سلامة الناس منه وفسر المؤمن بأمر باطن وهو أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم وهذه الصفة أعلى من تلك فإن من كان مأمونا سلم الناس منه ; وليس كل من سلموا منه يكون مأمونا فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه خوفا أن يكون ترك أذاهم لرغبة ورهبة ; لا لإيمان في قلبه . وفي حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما الإسلام ؟ قال إطعام الطعام . ولين الكلام قال : فما الإيمان قال السماحة والصبر } فإطعام الطعام عمل ظاهر يفعله الإنسان لمقاصد متعددة وكذلك لين الكلام وأما السماحة والصبر فخلقان في النفس . قال تعالى : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } وهذا أعلى من ذاك وهو أن يكون صبارا شكورا فيه سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على المكاره وهذا ضد الذي خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ; فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة ولا صبر عند المصيبة . [ ص: 265 ] وتمام الحديث : { فأي الإسلام أفضل ؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قال : يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال أحسنهم خلقا قال : يا رسول الله أي القتل أشرف ؟ قال من أريق دمه وعقر جواده قال يا رسول الله فأي الجهاد أفضل ؟ قال الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله قال يا رسول الله فأي الصدقة أفضل ؟ قال جهد المقل قال يا رسول الله فأي الصلاة أفضل ؟ قال طول القنوت قال يا رسول الله فأي الهجرة أفضل ؟ قال من هجر السوء } وهذا محفوظ عن عبيد بن عمير تارة يروى مرسلا وتارة يروى مسندا وفي رواية : { أي الساعات أفضل ؟ قال جوف الليل الغابر } وقوله : { أفضل الإيمان السماحة والصبر } يروى من وجه آخر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهكذا في سائر الأحاديث إنما يفسر الإسلام بالاستسلام لله بالقلب مع الأعمال الظاهرة كما في الحديث المعروف الذي رواه أحمد { عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال : والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به ؟ قال : الإسلام . قال : وما الإسلام ؟ قال أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه } وفي رواية قال { أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل مسلم على مسلم محرم } وفي لفظ تقول { أسلمت نفسي لله وخليت وجهي إليه } وروى محمد بن نصر من حديث خالد [ ص: 266 ] بن معدان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا . وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسلم على بني آدم إذ لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سكت عنهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم فمن انتقص منهن شيئا فهو سهم في الإسلام تركه ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره } . وقد قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } قال مجاهد : وقتادة : نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها وهذا لا ينافي قول من قال : نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب أو فيمن لم يسلم لأن هؤلاء كلهم مأمورون أيضا بذلك والجمهور يقولون : { في السلم } أي في الإسلام وقالت طائفة : هو الطاعة وكلاهما مأثور عن ابن عباس وكلاهما حق فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال . وأما قوله : { كافة } فقد قيل : المراد ادخلوا كلكم . وقيل : المراد به ادخلوا في الإسلام جميعه وهذا هو الصحيح فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره وإنما يؤمر بما يقدر عليه وقوله : { ادخلوا } خطاب لهم كلهم فقوله { كافة } إن أريد به مجتمعين لزم أن يترك الإنسان الإسلام حتى يسلم غيره فلا يكون الإسلام مأمورا به إلا بشرط موافقة الغير له كالجمعة وهذا لا يقوله مسلم وإن أريد ب " { كافة } " : أي ادخلوا جميعكم فكل أوامر القرآن كقوله : { آمنوا بالله ورسوله } { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } كلها من هذا الباب وما قيل فيها كافة وقوله تعالى { وقاتلوا المشركين كافة } أي قاتلوهم كلهم لا تدعوا مشركا حتى تقاتلوه فإنها أنزلت بعد نبذ العهود ليس المراد : قاتلوهم مجتمعين أو جميعكم فإن هذا لا يجب بل يقاتلون بحسب المصلحة والجهاد فرض على الكفاية فإذا كانت فرائض الأعيان لم يؤكد المأمورين فيها ب " { كافة } " فكيف يؤكد بذلك في فروض الكفاية وإنما المقصود تعميم المقاتلين . وقوله : { كما يقاتلونكم كافة } فيه احتمالان . والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الإسلام كما دل عليه هذا الحديث فكل ما كان من الإسلام وجب الدخول فيه فإن كان واجبا على الأعيان لزمه فعله وإن كان واجبا على الكفاية اعتقد وجوبه وعزم عليه إذا تعين أو أخذ بالفضل ففعله وإن كان مستحبا اعتقد حسنه وأحب فعله وفي حديث جرير { أن رجلا قال : يا رسول الله صف لي الإسلام . قال : تشهد أن لا إله إلا الله وتقر بما جاء من عند الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال : أقررت ; } في قصة طويلة فيها أنه وقع في أخاقيق جرذان وأنه قتل وكان جائعا وملكان يدسان في شدقه من ثمار الجنة . فقوله : { وتقر بما جاء من عند الله } . هو الإقرار بأن محمدا رسول الله فإنه هو الذي جاء بذلك . وفي الحديث الذي يرويه أبو سليمان الداراني : حديث { الوفد الذين قالوا : نحن المؤمنون قال : فما علامة إيمانكم ؟ قالوا : خمس عشرة خصلة : خمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن وخمس أمرتنا رسلك أن [ ص: 268 ] نؤمن بهن وخمس تخلقنا بها في الجاهلية ونحن عليها في الإسلام إلا أن تكره منها شيئا . قال : فما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها ؟ قالوا : أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت . قال : وما الخمس التي أمرتكم أن تؤمنوا بها ؟ قالوا أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال : وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية وثبتم عليها في الإسلام ؟ قالوا : الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالأعداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء . فقال صلى الله عليه وسلم وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة : إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون وعنه منتقلون واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون } . فقد فرقوا بين الخمس التي يعمل بها فجعلوها الإسلام ; والخمس التي يؤمن بها فجعلوها الإيمان ; وجميع الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على مثل هذا . وفي الحديث الذي رواه أحمد من حديث أيوب عن أبي قلابة { عن رجل من أهل الشام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أسلم تسلم قال . [ ص: 269 ] وما الإسلام قال : أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك قال : فأي الإسلام أفضل ؟ قال : الإيمان قال : وما الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت قال : فأي الإيمان أفضل ؟ قال : الهجرة قال : وما الهجرة ؟ قال : أن تهجر السوء قال : فأي الهجرة أفضل ؟ قال : الجهاد قال : وما الجهاد ؟ قال : أن تجاهد الكفار إذا لقيتهم ولا تغل ولا تجبن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما قالها ثلاثا : حجة مبرورة : أو عمرة } وقوله : { هما أفضل الأعمال } أي بعد الجهاد ; لقوله : { ثم عملان } ففي هذا الحديث جعل الإيمان خصوصا في الإسلام والإسلام أعم منه كما جعل الهجرة خصوصا في الإيمان والإيمان أعم منها وجعل الجهاد خصوصا من الهجرة والهجرة أعم منه . فالإسلام أن تعبد الله وحده لا شريك له مخلصا له الدين . وهذا دين الله الذي لا يقبل من أحد دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين ولا تكون عبادته مع إرسال الرسل إلينا إلا بما أمرت به رسله لا بما يضاد ذلك فإن ضد ذلك معصية وقد ختم الله الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون مسلما إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام . فمن قال : الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق ثم لا بد من التزام ما أمر به الرسول من الأعمال الظاهرة كالمباني الخمس ومن ترك من ذلك شيئا نقص إسلامه [ ص: 270 ] بقدر ما نقص من ذلك كما في الحديث : { من انتقص منهن شيئا فهو سهم من الإسلام تركه } . وهذه الأعمال إذا عملها الإنسان مخلصا لله تعالى فإنه يثيبه عليها ولا يكون ذلك إلا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب ولا أن يكون مجاهدا ولا سائر ما يتميز به المؤمن عن المسلم الذي ليس بمؤمن وخلق كثير من المسلمين باطنا وظاهرا معهم هذا الإسلام بلوازمه من الإيمان ولم يصلوا إلى اليقين والجهاد فهؤلاء يثابون على إسلامهم وإقرارهم بالرسول مجملا وقد لا يعرفون أنه جاء بكتاب وقد لا يعرفون أنه جاءه ملك ولا أنه أخبر بكذا وإذا لم يبلغهم أن الرسول أخبر بذلك لم يكن عليهم الإقرار المفصل به لكن لا بد من الإقرار بأنه رسول الله وأنه صادق في كل ما يخبر به عن الله . ثم الإيمان الذي يمتاز به فيه تفصيل وفيه طمأنينة ويقين فهذا متميز بصفته وقدره في الكمية والكيفية فإن أولئك معهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وتفصيل المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء . وأيضا ففي قلوبهم من اليقين والثبات ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس مع هؤلاء وأولئك هم المؤمنون حقا .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية