الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 348 ] ( ولا بأس بالسواك الرطب بالغداة والعشي للصائم ) لقوله صلى الله عليه وسلم { خير خلال الصائم السواك } من خير فصل . وقال الشافعي : يكره بالعشي لما فيه من إزالة الأثر المحمود ، وهو الخلوف فشابه دم الشهيد . [ ص: 349 ] قلنا : هو أثر العبادة اللائق به الإخفاء . بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم ، ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء لما روينا .

التالي السابق


( قوله ولا بأس بالسواك الرطب ) يعني للصائم سواء كانت رطوبته بالماء أو من نفسه بكونه أخضر بعد . ( قوله وقال الشافعي يكره ) استدل بالحديث والمعنى ، فالحديث ما روى الطبراني والدارقطني عنه عليه الصلاة والسلام { إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ، فإن الصائم إذا يبست شفتاه كانت له نورا يوم القيامة } ورواه الدارقطني موقوفا على علي رضي الله عنه ، وفي الطريقين كيسان أبو عمر القصاب ضعفه ابن معين .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن كيسان أبي عمر فقال : ضعيف الحديث ، ذكره في الميزان وذكر حديثه هذا فيه .

والمعنى ما ذكره في الكتاب من أنه : إزالة الخلوف المحمود إلخ .

ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { من خير خلال الصائم السواك } أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها والدارقطني ، وفيه مجالد ضعفه كثير ولينه بعضهم ، ولنا أيضا عموم قوله عليه الصلاة والسلام { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } إذ يدخل في عموم كل صلاة : الظهر والعصر والمغرب للصائم والمفطر ، وفي رواية عند النسائي وصحيح ابن خزيمة وصححها الحاكم ، وعلقها البخاري { عند كل وضوء } فيعم وضوء هذه الصلوات .

ولنا أيضا في مسند أحمد عنه عليه الصلاة والسلام { صلاة بسواك أفضل عند الله تعالى من سبعين صلاة بغير سواك } فهذه النكرة وإن كانت في الإثبات تعم لوصفها بصفة عامة فيصدق على عصر الصائم إذا استاك فيه أنها صلاة أفضل من سبعين ، كما يصدق على عصر المفطر ، فهذه خالية عن المعارض ، فإن ما ذكره لا يقوم حجة ، أما الحديث فإنه مع شذوذه ضعيف ، وأما المعنى فلا يستلزم كراهة الاستياك لأنه بناء على أن السواك يزيل الخلوف ، وهو غير مسلم ، بل إنما يزيل أثره الظاهر على السن من الاصفرار [ ص: 349 ] وهذا لأن سببه خلو المعدة من الطعام والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب ، ولهذا روى عن معاذ مثل ما قلنا . روى الطبراني : حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي ، حدثنا هارون بن معروف .

حدثنا محمد بن سلمة الحراني ، حدثنا بكر بن خنيس عن أبي عبد الرحمن بن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال " سألت معاذ بن جبل : أتسوك وأنا صائم ؟ قال نعم ، قلت : أي النهار أتسوك ؟ قال : أي النهار شئت غدوة وعشية ، قلت : إن الناس يكرهونه عشية ، ويقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك } ، فقال : سبحان الله لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بفي الصائم خلوف وإن استاك ، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا ما في ذلك من الخير بل فيه شيء ، لا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدا " قال : وكذا الغبار في سبيل الله لقوله عليه الصلاة والسلام { من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار } إنما يؤجر عليه من اضطره إليه ولم يجد عنه محيصا .

فأما من ألقى نفسه في البلاء عمدا فما له في ذلك من الأجر شيء قيل : ويدخل في هذا أيضا من تكلف الدوران تكثيرا للمشي إلى المساجد نظرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام { وكثرة الخطا إلى المساجد } ومن تصنع في طلوع الشيب لقوله عليه الصلاة والسلام { من شاب شيبة في الإسلام } إنما يؤجر عليهما من بلي بهما ، وفي المطلوب أيضا أحاديث مضعفة نذكر منها شيئا للاستشهاد والتقوية وإن لم يحتج إليه في الإثبات : منها ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن : حدثنا إسحاق الخوارزمي قال : سألت عاصما الأحول أيستاك الصائم بالسواك الرطب ؟ قال : نعم أتراه أشد رطوبة من الماء ؟ قلت : أول النهار وآخره ؟ قال نعم ، قلت : عمن رحمك الله ؟ قال عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال : تفرد به إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي . وقد حدث عن عاصم بالمناكير لا يحتج به .

وروى ابن حبان في كتاب الضعفاء عن ابن عمر رضي الله عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك آخر النهار وهو صائم } وأعله بأبي ميسرة قال : لا يحتج به ورفعه باطل . والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه من قوله قلنا كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه مع تلك العمومات ، والله سبحانه أعلم .

[ فروع ] صوم ستة من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته ، وعامة المشايخ لم يروا به بأسا ، واختلفوا فقيل : الأفضل وصلها بيوم الفطر ، وقيل : بل تفريقها في الشهر . وجه الجواز أنه قد وقع الفصل بيوم الفطر فلم يلزم التشبه بأهل الكتاب ، وجه الكراهة أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة ، ولذا سمعنا من يقول يوم الفطر : نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه ، فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث به ، ويكره صوم يوم النيروز والمهرجان لأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها ، فإن وافق يوما كان يصومه فلا بأس به [ ص: 350 ] ومن صام شعبان ووصله برمضان فحسن . ويستحب صوم أيام البيض الثالث عشر ، والرابع عشر والخامس عشر ما لم يظن إلحاقه بالواجب ، وكذا صوم يوم عاشوراء . ويستحب أن يصوم قبله يوما وبعده يوما . فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود ، وصوم يوم عرفة لغير الحاج مستحب .

والحاج إن كان يضعفه عن الوقوف والدعوات فالمستحب تركه ، وقيل يكره ، وهي كراهة تنزيه لأنه لإخلاله بالأهم في ذلك الوقت . اللهم إلا أن يسيء خلقه فيوقعه في محظور ، وكذا صوم يوم التروية ، لأنه يعجز عن أداء أفعال الحج ، وسيأتي صوم المسافر . ويكره صوم الصمت وهو أن يصوم ولا يتكلم يعني يلتزم عدم الكلام . بل يتكلم بخير ولحاجته إن عنت ، ويكره صوم الوصال ولو يومين ، ويكره صوم الدهر لأنه يضعفه أو يصير طبعا له . ومبنى العبادة على مخالفة العادة ، ولا يحل صوم يوم العيد وأيام التشريق ، وأفضل الصيام صيام داود { صم يوما وأفطر يوما } ولا بأس بصوم يوم الجمعة منفردا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . ولا تصوم المرأة التطوع إلا بإذن زوجها ، وله أن يفطرها ، وكذا المملوك بالنسبة إلى السيد إلا إذا كان غائبا ، ولا ضرر في ذلك عليه فإن ضرره ضرر بالسيد في ماله ، وكل صوم وجب على المملوك بسبب باشره كالمنذور وصيامات الكفارات كالنفل إلا كفارة الظهار لما يتعلق به من حق الزوجة كما ستعلم في الظهار إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث