الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 403 - 404 ] كتاب الحج [ ص: 405 - 410 ]

[ ص: 404 ]

التالي السابق


[ ص: 404 ] كتاب الحج أخره عن الصوم لأنه عبادة قهر النفس ، إذ ليس حقيقته سوى منع شهواتها ومحبوباتها التي هي أعظمها عندها ، كالأكل والشرب والجماع ، بخلاف غيره من الصلاة والحج وغيرهما فإن حقيقتها أفعال هي غير ذلك ، ثم قد تحرم تلك الشهوات فيها كالصلاة وقد لا إلا في البعض كالحج ، وشتان ما بين المقامين . وأيضا فالحج يشتمل على السفر . وقد يكون السفر مشتهاها لما فيه من ترويحها وتفريج الهموم اللازمة في المقام ، وأيضا فالحج وجوبه مرة في العمر بخلاف ما تقدم من الأركان كالصلاة والزكاة والصوم فكانت الحاجة إليها أمس ، ووجه آخر للأمسية وهو أن شروط لزوم الحج أكثر من غيره ، وبكثرة شروط الشيء تكثر معانداته ، وعلى قدر معاندات الشيء يقل وجوده وتقديم الأظهر وجوبا أظهر . وقد رأيت أن أتبرك في افتتاح هذا الركن بحديث جابر الطويل . فإنه أصل كبير أجمع حديث في الباب ، ثم نذكر مقدمة في آداب السفر ، والمقصود إعانة الإخوان على تحصيل المقاصد تامة فنقول ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

روى مسلم في صحيحه وغيره كابن أبي شيبة وأبي داود والنسائي وعبد بن حميد والبزار والدارمي في مسانيدهم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله رضي الله عنه فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت : أنا محمد بن علي بن الحسين . فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ، ثم نزع زري الأسفل ، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال : مرحبا بك يا ابن أخي . سل عما شئت فسألته وهو أعمى ، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها ، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها ، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده فعقد تسعا ، فقال : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله ، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ فقال : اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين في المسجد ، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك . ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن [ ص: 405 ] وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم منه شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته . قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة ، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول : ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين { قل هو الله أحد } و { قل يا أيها الكافرون } ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ابدءوا بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا فرقى عليه ، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل حتى إذا صعدها مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة ، فقام سراقة بن جعشم رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى فقال : دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا بل لأبد أبد . وقدم علي رضي الله عنه من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها فقالت : إن أبي أمرني بهذا قال : فكان علي رضي الله عنه بالعراق يقول : فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه ، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال : صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن معي الهدي فلا تحل ، قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي رضي الله عنه من اليمن ، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة قال : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من [ ص: 406 ] دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال : بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر . ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : أيها الناس السكينة السكينة ، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما ، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل وصرف وجهه من الشق الآخر ينظر ، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال : انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلوا فشرب منه } . وفي رواية أخرى قال : { نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف } قال ابن حبان في صحيحه حين روى هذا الحديث : والحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بيده ثلاثا وستين بدنة أنه كانت له يومئذ ثلاث وستون سنة فنحر لكل سنة بدنة ثم أمر عليا بالباقي فنحرها ، والله سبحانه وتعالى أعلم . [ ص: 407 ] هذه المقدمة الموعودة ] يكره الخروج إلى الحج إذا كره أحد أبويه وهو محتاج إلى خدمته ، لا إن كان مستغنيا والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث