الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة المريض

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 9 ] ( ومن أغمي عليه خمس صلوات أو دونها قضى ، وإن كان أكثر من ذلك لم يقض ) وهذا استحسان والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب الإغماء وقت صلاة كاملا لتحقق العجز فأشبه الجنون . وجه الاستحسان أن المدة إذا طالت كثرت الفوائت فيتحرج في الأداء ، وإذا قصرت قلت فلا حرج ، والكثير أن تزيد على يوم وليلة ; لأنه يدخل في حد التكرار ، والجنون كالإغماء : كذا ذكره أبو سليمان رحمه الله ، بخلاف النوم ; لأن امتداده نادر فيلحق بالقاصر ، ثم الزيادة تعتبر . من حيث الأوقات [ ص: 10 ] عند محمد رحمه الله ; لأن التكرار يتحقق به ، وعندهما من حيث الساعات هو المأثور عن علي وابن عمر رضي الله عنهم .

التالي السابق


( قوله : والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب وقت صلاة ) وبه قال الشافعي ومالك ، واستدلا بما روى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها { أنها سألته عليه الصلاة والسلام عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة فقال : ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه في وقت صلاة فيفيق فيه فإنه يصليها } وهذا ضعيف جدا ، ففيه الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي . قال أحمد : أحاديثه موضوعة ، وقال ابن معين : ليس بثقة ولا مأمون وكذبه أبو حاتم وغيره ، وقال البخاري : تركوه .

ثم بقية السند إلى الحكم هذا مظلم كله . وقالت الحنابلة : يقضي ما فاته ، وإن كان أكثر من ألف صلاة ; لأنه مرض ، وتوسط أصحابنا فقالوا : إن كان أكثر من يوم وليلة سقط القضاء ، وإلا وجب ، والزيادة على يوم وليلة من حيث الساعات . وهو رواية عن أبي حنيفة ، فإذا زاد على الدورة ساعة سقط . وعند محمد من حيث الأوقات فإذا زاد على ذلك وقت صلاة كامل سقط ، وإلا لا ، وهو الأصح تخريجا على ما مر في قضاء الفوائت ، وإن كان محمد قال هناك بقولهما فكل من الثلاثة مطالب بالفرق إلا أنهما يجيبان هنا بالتمسك بالأثر عن علي وابن عمر على ما في الكتاب ، لكن المذكور عن ابن عمر في كتب الحديث من رواية محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي [ ص: 10 ] عن ابن عمر أنه قال في الذي يغمى عليه يوما وليلة ، قال : يقضي ، وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري عن ابن أبي ليلى عن نافع أن ابن عمر أغمي عليه شهرا فلم يقض ما فاته .

وروى إبراهيم الحربي في آخر كتابه غريب الحديث حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زائدة عن عبيد الله عن نافع قال : أغمي على عبد الله بن عمر يوما وليلة فأفاق فلم يقض ما فاته واستقبل . وفي كتب الفقه عنه أنه أغمي عليه أكثر من يوم وليلة فلم يقض ، وفي بعضها نص عليه فقال أغمي عليه ثلاثة أيام فلم يقض ، فقد رأيت ما هنا عن ابن عمر وشيء منها لا يدل على أن المعتبر في الزيادة الساعات إلا ما يتخايل من قوله أكثر من يوم وليلة ، وكل من روايتي الشهر والثلاثة الأيام يصلح مفسرا لذلك الأكثر ، ولو لم يكن وجب كون المراد به خاصا من الزيادة ; لأن المراد به ما دخل في الوجود ولا عموم فيه ، وحمله على كون الأكثرية بالساعة ليس بأولى من كونها وقتا . وأما الرواية عن علي فلم تعرف في كتب الحديث ، والمذكور عنه في الفقه أنه أغمي عليه أربع صلوات فقضاهن ، وأهل الحديث يروون هذا عن عمار ، وروى الدارقطني عن يزيد مولى عمار بن ياسر أن عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وأفاق نصف الليل فقضاهن . قال الشافعي رحمه الله : ليس هذا بثابت عن عمار ، ولو ثبت فمحمول على الاستحباب .

وفرق بين الإغماء والنوم بأنه عن اختيار ، بخلاف الإغماء . وجه قولنا أن الإغماء مرض يعجز به صاحب العقل عن استعماله مع قيامه حقيقة فلا ينافي أهلية الوجوب ، بل الاختيار ; لأنه إنما يوجب خللا في القدرة ، وذلك يوجب التأخير لا سقوط أصل الوجوب ; لأن تعلقه لفائدة الأداء أو القضاء بلا حرج ولم يقع بالإغماء ولا بمجرد الجنون اليأس عن الفائدة الثانية إلا إذا امتد امتدادا يوقع إلزام القضاء معه في الحرج ، فحينئذ يظهر به عدم تعلقه لظهور انتفاء الفائدة المستتبعة له . هذا تقرير الأصول وسيرد عليك بأوفى من هذا في الزكاة والصوم إن شاء الله تعالى ، وبه يظهر أنه يصح أن يقال : القياس السقوط مطلقا ، والقياس عدمه مطلقا ; وهذا لأن معنى القياس الذي يقابلونه بالاستحسان هو الوجه المتبادر بالنسبة إلى الوجه الخفي كما أفاده في البدائع مما سنذكره إن شاء الله تعالى [ ص: 11 ] في سجود التلاوة ، وإلا فالاستحسان قد يكون هو القياس الصحيح وكل منهما يتبادر فالأول عند تجريد النظر إلى زوال فهم الخطاب الثاني عند ملاحظة أن الوجوب يتبع تعلقه إحدى المصلحتين ، والخفي هو التفصيل بين المخرج وعدمه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث