الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقة

جزء التالي صفحة
السابق

( وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز ) لأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز كما إذا كفر بعد [ ص: 205 - 206 ] الجرح ، وفيه خلاف مالك

[ ص: 204 ]

التالي السابق


[ ص: 204 ] قوله وهو مالك للنصاب ) تنصيص على شرط جواز التعجيل فلو ملك أقل فعجل خمسة عن مائتين ثم تم الحول على مائتين لا يجوز ، وفيه شرطان آخران أن لا ينقطع النصاب في أثناء الحول ، فلو عجل خمسة من مائتين ثم هلك ما في يده إلا درهما ثم استفاد فتم الحول على مائتين جاز ما عجل ، بخلاف ما لو لم يبق الدرهم وأن يكون النصاب كاملا في آخر الحول ، فلو عجل شاة من أربعين وحال الحول وعنده تسعة وثلاثون فلا زكاة عليه حتى أنه إن كان صرفها للفقراء وقعت نفلا ، وإن كانت قائمة في يد الساعي أو الإمام أخذها ، ولو كان الأداء في آخر الوقت وقع عن الزكاة وإن انتقص النصاب بأدائه ذكره في النهاية نقلا من الإيضاح وهو في فصل الساعي خلاف الصحيح ، بل الصحيح فيما إذا كانت في يد الساعي وقوعها زكاة فلا يستردها كما في الخلاصة .

رجل له مائتا درهم حال عليها الحول إلا يوما فعجل من زكاتها شيئا ثم حال الحول على ما بقي لا زكاة عليه ، وعلى هذا لو تصدق بشاة بنية الزكاة على الفقير من أربعين شاة فتم الحول لا تجوز عن الزكاة . أما لو عجل شاة عن أربعين إلى المصدق فتم الحول والشاة في يد المصدق جاز ، هو المختار لأن الدفع إلى المصدق لا يزيل ملكه عن المدفوع .

وبسطه في شرح الزيادات إذا عجل خمسة من مائتين فأما إن حال الحول وعنده مائة وخمسة وتسعون أو استفاد خمسة أخرى فحال على مائتين أو انتقص من الباقي درهم فصاعدا : الفصل الأول : إذا لم تزد ولم تنقص ، فإن كانت تلك الخمسة قائمة في يد الساعي فالقياس أن لا تجب الزكاة ويأخذ الخمسة من الساعي لأنها خرجت عن ملكه بالدفع إلى الساعي ، وإن لم تخرج فهي في معنى الضمار لأنه لا يملك الاسترداد قبل الحول .

وفي الاستحسان تجب الزكاة لما ذكرنا أن يد الساعي في المقبوض يد المالك قبل الوجوب ، فقيامها في يده كقيامها في يد المالك ، ولأن المعجل يحتمل أن يصير زكاة فتكون يده يد الفقراء ، ويحتمل أن لا يصير زكاة فتكون يده يد المالك ، فاعتبرنا يده يد المالك احتياطا ، ولأن القول بنفي الوجوب يؤدي إلى المناقضة . بيانه أنا لو لم نوجب الزكاة بقيت الخمسة على ملك المالك فتبين أنه حال الحول والنصاب كامل فتجب الزكاة على عدم تقدير إيجاب الزكاة ، وإذا قلنا تجب تجب مقصورا على الحال لا مستندا لأنه لو استند الوجوب إلى أول [ ص: 205 ] الحول بقي النصاب ناقصا في آخر الحول فيبطل الوجوب ، وإنما لم يملك الاسترداد لأنه عينها زكاة من هذه السنة ، فما دام احتمال الوجوب قائما لا يكون له أن يسترد ، كمن نقد الثمن في بيع بشرط الخيار للبائع لا يمكنه الاسترداد فالحاصل أنه تعلق حق الفقراء به مع بقاء ملك المالك ، ولهذا لم يصر ضمارا لأنه أعدها لغرض والمعد لغرض ليس ضمارا فجعلها ضمارا مبطل لغرضه ، وكذا لو كان الساعي استهلكها أو أنفقها على نفسه قرضا لأن بذلك وجب المثل في ذمته ، وذلك كقيام العين في يده ، وكذا لو أخذها الساعي ، عمالة ، لأن العمالة إنما تكون في الواجب لأن قبضه للواجب يكون للفقراء فيتحقق حينئذ سبب العمالة وما قبضه غير واجب .

ولا يقال : ما في ذمة الساعي دين وأداء الدين من العين لا يجوز . لأنا نقول : هذا إذا كان الدين على غير الساعي ، أما إذا كان على الساعي فيجوز لأن حق الأخذ له فلا يفيد الطلب منه ثم دفعها إليه ، وإن كان الساعي صرفها إلى الفقراء أو إلى نفسه وهو فقير لا تجب الزكاة لأن الساعي مأمور بالصرف إليهم ، ولو صرف المالك بنفسه يصير ملكا وينتقص به النصاب فكذلك هنا . ولو ضاعت من الساعي قبل الحول ووجدها بعده لا تجب الزكاة وللمالك أن يستردها ، كما لو ضاعت من يد المالك نفسه فوجده بعده ، وإنما يملك الاسترداد لأنه عينها لزكاة هذه السنة ولم تصر . قلت : لأن بالضياع صار ضمارا ، فلو لم يستردها حتى دفعها الساعي إلى الفقراء لم يضمن إلا إن كان المالك نهاه . قيل هذا . عندهما ، أما عند أبي حنيفة يضمن ، وأصله الوكيل بدفع الزكاة إذا أدى بعد أداء الموكل بنفسه يضمن عنده علم بأدائه أو لا ، وعندهما لا إلا إن علمه . الفصل الثاني : إذا استفاد خمسة فتم الحول على مائتين يصير المؤدى زكاة في الوجوه كلها من وقت التعجيل ، وإلا يلزم هنا كون الدين زكاة عن العين في بعض الوجوه ، ولا تجب عليه زكاة تلك الخمسة وإن كانت قائمة عند الساعي ، أما عند فلأنه لا يرى الزكاة في الكسور . وأما عندهما فلأنها ظهر خروجها من ملكه من وقت التعجيل ، وهذا التعليل إنما يخصهما في مثل هذه الصورة . فأما لو ملك مائتين فعجلها كلها صح ولا يستردها قبل الحول كما في غيرها لاحتمال وقوعها زكاة بأن يستفيد قبل تمام الحول ثمانية آلاف ، فلو استفادها لا تجب زكاة هذه المائتين لهذه العلة بالاتفاق .

الفصل الثالث : إذا انتقص عما في يده فلا تجب في الوجوه كلها فيسترد إن كانت في يد الساعي ، وإن استهلكها أو أكلها قرضا أو بجهة العمالة ضمن ، ولو تصدق بها على الفقراء أو نفسه وهو فقير لا يضمن لما قدمناه إلا إن تصدق بها بعد الحول فيضمن عنده علم بالنقصان أو لم يعلم وعندهما إن علم ، ولو كان نهاه ضمن عند الكل .

واعلم أن ما ذكره في الفصل الأول من أن الساعي إذا أخذ الخمسة عمالة ثم حال الحول ولم يكمل النصاب في يد المالك تقع الخمسة زكاة بناء على وجوب الزكاة في هذه الصورة بسبب لزوم الضمان على الساعي لأنه لا عمالة في غير الواجب ذكر في مثله من السائمة خلافه بعد قريب وقال ما حاصله : إذا عجل شاة عن أربعين فتصدق بها الساعي قبل الحول وتم الحول ولم يستفد شيئا يقع تطوعا ولا يضمن ، ولو باعها الساعي للفقراء وتصدق بثمنها فكذلك ، فإن كان الثمن قائما في يده يأخذه المالك لأنه بدل ملكه ، ولا تجب الزكاة لأن نصاب السائمة نقص قبل الحول ولا يكمل بالثمن ، فإن كانت الشاة قائمة [ ص: 206 ] في يد الساعي صارت زكاة كما قدمنا لأن قيامها في يده كقيامها في يد المالك .

ولو كان الساعي أخذها من عمالته وأشهد على ذلك أو جعلها الإمام له عمالة فتم الحول وعند المالك تسعة وثلاثون والمعجل قائم في يد الساعي فلا زكاة عليه . ويستردها لأنه لما أخذها من العمالة زالت عن ملكه فانتقص النصاب فلا تجب الزكاة . وله أن يستردها لأنها في يده بسبب فاسد ، فإن كان الساعي باعها قبل الحول أو بعده فالبيع جائز كالمشتري شراء فاسدا إذا باع جاز بيعه ويضمن قيمتها للمالك ويكون الثمن له لأنه بدل ملكه .

فإن قلت : لم كان هذا الاختلاف ، قلت : لأنه لما خرجت عن ملك المعجل بذلك السبب فحين تم الحول يصير ضامنا بالقيمة والسائمة لا يكمل نصابها بالدين كما ذكرنا ، هذا ومهما تصدق الساعي مما عجل من نقد أو سائمة قبل الحول فلا ضمان عليه ، بل إما أن يقع نفلا إن لم يكمل . أو بعضه إن كان عن نصب في يده فهلك بعضها أو قرضا أو بعده في موضع لا تجب الزكاة . كما لو انتقض النصاب ضمن علم أو لا عند أبي حنيفة .

وعندهما لا يضمن إلا إن علم بالانتقاص ، فإن كان المالك نهاه بعد الحول ضمن عند الكل وقبله لا ( قوله وفيه خلاف مالك ) هو يقول الزكاة إسقاط الواجب ولا إسقاط قبل الوجوب ، وصار كالصلاة قبل الوقت بجامع أنه أداء قبل السبب إذ السبب هو النصاب الحولي ولم يوجد . قلنا لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزءا من السبب بل هو النصاب فقط . والحول تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب فهو كالدين المؤجل . وتعجيل الدين المؤجل صحيح ، فالأداء بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله ، وكصوم المسافر رمضان لأنه بعد السبب ، بخلاف العشر لا يجوز تعجيله لأنه يكون قبل السبب ، إذ السبب فيه الأرض النامية بالخارج تحقيقا ، فما لم يخرج بالفعل لا يتحقق السبب ، ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبي داود والترمذي من حديث علي رضي الله عنه { أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته قبل أن يحول عليه الحول مسارعة إلى الخير فأذن له في ذلك } ولو سلم ما ذكر فصفة الحولي تستند إلى أول الحول لأنه ما حال عليه .

والحول اسم لأوله إلى آخر ، ففي أوله يثبت جزء من السبب وقد ثبت الحكم في مثله عند وجود جزئه إذا كان الباقي مترقبا واقعا ظاهرا كالترخص في ابتداء السفر ، وفيه نظر ، إذ قد يقال على ما أوردناه فيما غير علة الرخصة قصد أقل السفر آخذا فيه لا وجود أقله فالترخص في ابتدائه بعد تمام السبب ، على أنا لا نجزم بوقوع المعجل زكاة في الحال بل ذلك موقوف إلى آخر الحول ، فإن تم والنصاب كامل تبين ذلك وإلا تبين أنه وقع نفلا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث