الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز

جزء التالي صفحة
السابق

ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا لأن المصرف هو الفقراء ( وابن السبيل من كان له مال في وطنه ) وهو في مكان لا شيء له فيه . قال : ( فهذه جهات الزكاة ، فللمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم ، [ ص: 265 ] وله أن يقتصر على صنف واحد ) وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف ، لأن الإضافة بحرف اللام للاستحقاق . ولنا أن الإضافة لبيان أنهم مصارف لا لإثبات الاستحقاق ، وهذا لما عرف أن الزكاة حق الله تعالى ، وبعلة الفقر صاروا مصارف [ ص: 266 ] فلا يبالي باختلاف جهاته ، والذي ذهبنا إليه مروي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم

التالي السابق


( قوله ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا ) يشعر بالخلاف ، وسنذكر الخلاف من قريب ( قوله وابن السبيل ) وهو المسافر سمي به لثبوته في السبيل ، وهو الطريق فيجوز له أن يأخذ [ ص: 265 ] وإن كان له مال في وطنه لا يقدر عليه للحال ، ولا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته ، والأولى له أن يستقرض إن قدر ولا يلزمه ذلك لجواز عجزه عن الأداء ، وألحق كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده ولا يقدر عليه به ، ولا يلزم ابن السبيل التصدق بما فضل في يده عند قدرته على ماله كالفقير إذا استغنى والمكاتب إذا عجز وعندهما من مال الزكاة لا يلزمهما التصدق ( قوله وله أن يقتصر على صنف واحد ) وكذا له أن يقتصر على شخص واحد ( قوله بحرف اللام للاستحقاق ) وذكر كل صنف بلفظ الجمع فوجب أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف وإن كان محلى باللام ; لأن الجنس هنا غير ممكن فيه الاستغراق فتبقى الجمعية على حالها .

قلنا : حقيقة اللام الاختصاص الذي هو المعنى الكلي الثابت في ضمن الخصوصيات من الملك والاستحقاق وقد يكون مجردا ، فحاصل التركيب إضافة الصدقات العام الشامل لكل صدقة متصدق إلى الأصناف العام كل منها الشامل لكل فرد فرد بمعنى أنهم أجمعين أخص بها كلها ، وهذا لا يقتضي لزوم كون كل صدقة واحدة تنقسم على أفراد كل صنف ، غير أنه استحال ذلك فلزم أقل الجمع منه ، بل إن الصدقات كلها للجميع أعم من كون كل صدقة . صدقة لكل فرد فرد لو أمكن ، أو كل صدقة جزئية لطائفة أو لواحد . وأما على اعتبار أن الجمع إذا قوبل بالجمع أفاد من حيث الاستعمال العربي انقسام الآحاد على الآحاد نحو { جعلوا أصابعهم في آذانهم } وركب القوم دوابهم ، فالإشكال أبعد حينئذ إذ يفيد أن كل صدقة لواحد ، وعلى هذا الوجه لا حاجة إلى نفي أنها للاستحقاق بل مع كونها له يجيء هذا الوجه فلا يفيد الجمع من كل صنف ، إلا أنهم صرحوا بأن المستحق هو الله سبحانه غير أنه أمر بصرف استحقاقه إليهم على إثبات الخيار للمالك في تعيين من يصرفه إليه فلا تثبت حقيقة الاستحقاق لواحد إلا بالصرف إليه إذ قبله لا تعين له ولا استحقاق إلا لمعين ، وجبر الإمام لقوم علم أنهم لا يؤدون الزكاة على إعطاء الفقراء ليس إلا للخروج عن حق الله تعالى لا لحقهم ، ثم رأينا المروي عن الصحابة نحو ما ذهبنا إليه ، رواه البيهقي عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة عن عمر .

وروى الطبري في هذه الآية : أخبرنا عمران بن عيينة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، قال : في أي صنف وضعته [ ص: 266 ] أجزأك ا هـ . أخبرنا جرير عن ليث عن عطاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه { إنما الصدقات للفقراء } الآية ، قال : أيما صنف أعطيته من هذا أجزأ عنك . حدثنا حفص عن ليث عن عطاء عن عمر أنه كان يأخذ الفرض من الصدقة فيجعله في صنف واحد .

وروى أيضا عن الحجاج بن أرطاة عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة أنه قال : إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك ، وأخرج نحو ذلك عن سعيد بن جبير : وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي ، وأبي العالية وميمون بن مهران بأسانيد حسنة .

واستدل ابن الجوزي في التحقيق بحديث معاذ { فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } .

والفقراء صنف واحد وفيه نظر تسمعه قريبا . وقال أبو عبيد في كتاب الأموال : ومما يدل على صحة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بعد ذلك مال ، فجعله في صنف واحد وهم المؤلفة قلوبهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة وزيد الخيل قسم فيهم الذهبية التي بعث بها معاذ من اليمن ، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة ، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر ، وهم الغارمون ، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه ، وقد تحمل حمالة { يا قبيصة قم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها } . وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه . وأما الآية فالمراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم . قيل : ولم يرو عن غيرهم ما يخالفهم قولا ولا فعلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث