الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( و ) من سننه ( مسح كل رأسه ) لأنه أكثر ما ورد في صفة وضوئه وخروجا من خلاف من أوجبه .

وكيفية السنة : أن يضع يديه على مقدم رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إن كان له شعر يتقلب ، فيكون حينئذ ذهابه وعوده مسحة واحدة لعدم تمامها بالذهاب .

فإن لم يكن له شعر يتقلب لصغره أو قصره أو عدمه لم يرد ، إذ لا فائدة له ، فإن رد لم تحسب ثانية لأن الماء صار مستعملا ، ولا ينافيه ما لو انغمس في ماء قليل ناويا رفع حدثه ثم أحدث حال انغماسه فله أن يرفع .

الحدث المتجدد به قبل خروجه لأن ماء المسح تافه لا قوة له كقوة هذا ، ولهذا لو أعاد ماء غسل الذراع مثلا ثانيا [ ص: 191 ] لم تحسب غسلة أخرى لكونه تافها بالنسبة إلى ماء الانغماس ، ولو مسح جميع رأسه وقع قدر ما يقع عليه الاسم فرضا والباقي سنة كنظيره من تطويل الركوع والسجود والقيام ، بخلاف إخراج بعير الزكاة عن دون خمسة وعشرين كما اعتمد ذلك الوالد رحمه الله تعالى .

ويفرق بأن ما يمكن تجزيئه يقع قدر الواجب فرضا فقط ، بخلاف ما لا يمكن كبعير الزكاة ( ثم ) بعد الرأس يمسح ( أذنيه ) ظاهرهما وباطنهما بماء جديد للاتباع ، ولا يشكل امتناع مسح صماخيه ببلل مسح الأذنين وبلل مسح الرأس في الثانية والثالثة مع أن المستعمل في ذلك طهور ، لأن المراد الأكمل لا أصل السنة فإنه يحصل بذلك كما جزم به السبكي في فتاويه .

وعلم من إتيانه بثم اشتراط الترتيب بين الرأس والأذنين في حصول السنة ، وهو الأصح ، ولا يسن مسح الرقبة بل .

قال المصنف إنه بدعة ، قال : وأما خبر { مسح الرقبة أمان من الغل } فموضوع .

واعلم أن استحباب مسحهما غير مقيد باستيعاب مسح جميع الرأس ، ومن ذهب إلى ذلك متمسكا بذكرهم ذلك عقب مسح كلها فقد وهم ( فإن عسر رفع ) نحو ( العمامة ) أو لم يرد نزعها كقلنسوة وخمار ( كمل بالمسح عليها ) سواء أعسر عليه تنحيتها أم لا ، { لأنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته } ، فالتعبير بالعسر جرى على الغالب .

وعلم من قوله كمل أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة وإن سقط مسح الرأس لنحو علة وهو كذلك ، ومقتضى إطلاقهم إجزاء المسح عليها وإن كان تحتها عرقية ونحوها ، ويؤيده ما بحثه بعضهم من إجزاء المسح على الطيلسان ، وأفهم كلامه أنه لا يشترط لهذا التكميل لبسها على طهر ، وفارقت الخف بأنه بدل دونها [ ص: 192 ] كمسح بعض الرأس وهو كذلك ، وأفتى القفال بأنه يسن للمرأة استيعاب مسح رأسها ومسح الذوائب المسترسلة تبعا ، وألحق غيره ذوائب الرجل بذوائبها في ذلك ، لكن جزم في المجموع بعدم استحباب مسح الذوائب ، وظاهر تعبيرهم بالتكميل أن المسح عليها متأخر عن مسح الرأس ، ويحتمل غيره وأنه يمسح ما عدا مقابل الممسوح من الرأس ويكون به محصلا للسنة

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : مسحة واحدة ) ولا بد أن يقع المسح على محل واحد في الثلاث حتى يحصل التثليث ( قوله : لأن الماء صار مستعملا ) قال حج : أي لاختلاط بلله ببلل يده المنفصل عنه حكما بالنسبة للثانية ، ولضعف البلل أثر فيه أدنى اختلاط فلا ينافيه ما مر من التقدير [ ص: 191 ] في اختلاط المستعمل بغيره ا هـ حج .

وكتب عليه سم : لا يخفى إشكاله مع قاعدة أنا لا نسلب الطهورية بالشك مع أن الفرض أقل مجزئ وماؤه يسير جدا بالنسبة لماء الباقي ، فالغالب أنه لا يغير لو قدر مخالفا وسطا فليتأمل ا هـ ( قوله : لم تحسب غسلة أخرى ) خلافا لحج ( قوله : ولو مسح جميع رأسه إلخ ) نقل في المجموع عن القاضي أبي الطيب والماوردي أنهما قالا : انعقد الإجماع على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس مع قربه منها ، فالأذن أولى بذلك بر ا هـ سم على منهج .

أقول : لا يخالفه ما مر بالهامش عن حج من قوله بعد قول المصنف بشرة رأسه وإن قل حتى البياض المحاذي لأعلى الدائر حول الأذن كما بينته في شرح الإرشاد الصغير ، لأن ما ذكره حج في البياض المحاذي لأعلى الدائر وهذا في نفس الدائر ( قوله ثم بعد الرأس ) أي مسحه كلا أو بعضا ، ودفع بذلك ما قد يوهمه المتن من أن مسح الأذنين مشروط بتقدم مسح كل الرأس ، وستأتي الإشارة إليه في كلامه ( قوله : صماخيه ) هو بالكسر : خرق الأذن انتهى مختار ( قوله : ولا يسن مسح الرقبة ) وهي كما في المختار مؤخر أصل العنق .

وفي شرح البهجة والعنق : هو الوصلة بين الرأس والجسد .

وفي القاموس الوصلة بالضم : الاتصال ، وكل ما اتصل بشيء فما بينهما وصلة والجمع كصرد ( قوله : إنه بدعة ) معتمد ( قوله أمان من الغل ) بضم الغين طوق حديد يجعل في عنق الأسير تضم به يداه إلى عنقه ا هـ قاموس .

قلت ، وبكسرها : الحقد ، ومنه قوله تعالى { ونزعنا ما في صدورهم من غل } ( قوله كمل بالمسح ) فإن كان بها نجاسة ولو معفوا عنها لم يجز قياسا على ما يأتي في مسح الخف ، لكن سيأتي عن سم على حج نقلا عن م ر أنه لو عمت النجاسة الخف جاز المسح عليها حيث كانت معفوا عنها فهل قياسه كذلك هنا أو لا ويفرق ؟ فيه نظر .

ولعل الفرق أقرب لأن التكميل على العمامة إنما يكون بعد مسح الرأس وهو مسقط للفرض ، فلا حاجة إلى المسح على العمامة المؤدي للتنجيس ، بخلاف مسح الخف فإن رفع الحدث يتوقف عليه ، لا يقال : يمكن نزع الخف وغسل الرجل .

لأنا نقول : فيه مشقة في الجملة فلا نكلفه ( قوله : بأنه بدل دونها ) فيه أن الذي فعله من المسح مسقط للواجب وهذا بدل لما لم يمسحه [ ص: 192 ] قوله : وهو كذلك ) أي فيتيمم عن الرأس ولا يكفي مسح ما عليه ( قوله : مسح الذوائب ) أي من الرجل والمرأة .

قال سم على حج : إن هذا عرض على م ر بعد كلام القفال فرجع إليه ( قوله : متأخر عن مسح الرأس ) حتى لو ابتدأ بمسح العمامة ثم مسح جزءا من رأسه لا يكون آتيا بالسنة ، ولكن يسقط الفرض بما فعله .

قال الشيخ عميرة قوله : كمل بالمسح إلخ الظاهر أن حكمها كالرأس من الاستعمال برفع اليد في المرة الأولى ، فلو مسح بعض رأسه ورفع يده ثم أعادها على العمامة لتكميل المسح صار الماء مستعملا بانفصاله عن الرأس ، وهذا ظاهر ، ولكن يغفل عنه كثيرا عند التكميل على العمامة ، ثم ذلك القدر الممسوح من الرأس هل يمسح ما يحاذيه من العمامة ؟ ظاهر العبارة لا انتهى : أي لأنه المفهوم من التكميل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث