الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موجبات الغسل

جزء التالي صفحة
السابق

( وجنابة ) بالإجماع لقوله تعالى { وإن كنتم جنبا فاطهروا } وهي لغة البعد ، وشرعا : أمر معنوي يقوم بالبدن يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص ، وتحصل ( بدخول حشفة ) وهي كما في الصحاح والقاموس : ما فوق الختان فلا تحصل ببعضها ولو مع أكثر الذكر بأن شق وأدخل أحد شقيه كما هو صريح كلامهم .

والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل } والمراد بالالتقاء المحاذاة لأن ختان المرأة فوق مدخل الذكر وإنما يتحاذيان بتغييب الحشفة ( أو قدرها ) من مقطوعها ، وإن جاوز حد الاعتدال فلا يعتبر قدر حشفة معتدل كما يؤخذ من كلامهم في التحليل ، وإليه أشار الشارح بقوله منه إذ الاعتبار بصاحبها أولى من الاعتبار بغيره ، ولا إدخال قدرها مع وجودها فيما يظهر كما لو ثنى ذكره وأدخل قدرها منه خلافا لبعض المتأخرين ولا إدخال دونها وإن لم يبق من الذكر غيره ( فرجا ) قبلا أو دبرا ولو من ميت أو بهيمة كسمكة وغير مميز وإن لم يشته ولا حصل إنزال ولا قصد ولا انتشار ولا اختيار أو بحائل غليظ ، ولو كانت الحشفة أو قدرها من مبان ، [ ص: 213 ] واعتبار قدر الحشفة المعتدلة من ذكر البهيمة وعدمه يوكل إلى نظر الفقيه .

والأوجه أنه يرى باعتبار ذلك كما قالوا فيمن لا مرفق له ولا كعب يقدر بقدره .

ولا يعاد غسل الميت إذا أولج فيه أو استولج ذكره لسقوط تكليفه كالبهيمة ، وإنما وجب غسله بالموت تنظيفا وإكراما له ، ولا يجب بوطء الميتة حد كما سيأتي ولا مهر ، كما لا يجب بقطع يدها دية ، نعم تفسد به العبادات وتجب به الكفارة في الصوم والحج ، وكما يناط الغسل بالحشفة يحصل بها التحليل ، ويجب الحد بإيلاجها على ما يأتي في محله ، وتحرم به الربيبة ويلزم المهر والعدة وغير ذلك من بقية الأحكام ، [ ص: 214 ] ويستثنى الخنثى فلا غسل بإيلاج حشفته ولا بإيلاج في قبله ، لا على المولج ولا على المولج فيه فيهما إلا إذا اجتمعا ، ولو خلق له ذكران يبول بهما فأولج أحدهما وجب الغسل ، ولو كان يبول بأحدهما وجب الغسل بإيلاجه دون الآخر إن لم يسامت العامل ، ولو أولج خنثى في دبر رجل تخيرا بين الوضوء والغسل .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وتحصل ) زاد حج : لآدمي حي فاعل أو مفعول به ( قوله : بدخول حشفة ) أي من شخص واحد فيما يظهر ( قوله : ما فوق الختان ) أي ما هو الأقرب من الختان ، فكأنه قال : هي رأس الذكر ( قوله : بأن شق وأدخل أحد شقيه ) عبارة حج : والذي يتجه مدركا أن بعض الحشفة يقدر من باقي الذكر قدره سواء بعض الطول وبعض العرض .

وكتب عليه سم قوله : يقدر من باقي الذكر قدره انظر صورته في الطول ( قوله : وإن جاوز ) أي المقطوع ( قوله : وإن لم يبق من الذكر غيره ) أي بأن كان الحز في آخره ( قوله : أو بهيمة ) ع : لو كان يابسا قديدا كذكر الثور الذي يضرب به فالظاهر عدم الوجوب سم على منهج ( قوله : وغير مميز ) أي وجنية إن تحقق كعكسه على الأوجه فيهما ا هـ حج ( قوله : أو بحائل غليظ ) ومنه قصبة أدخله فيها [ ص: 213 ] كما أفتى به بعضهم وإن نوزع فيه ا هـ حج ( قوله : يوكل إلى نظر الفقيه ) عبارة الزيادي : وفيما لو خلق بلا حشفة يعتبر قدر المعتدلة لغالب أمثاله : أي أمثال ذكره ، وكذا في ذكر البهيمة يعتبر قدر تكون نسبته إليه كنسبة معتدل ذكر الآدمي إليه فيما يظهر .

وبقي ما لو كان ذكره الموجود كالشعيرة وليس له حشفة هل يقدر له حشفة أو لا ؟ فيه نظر .

وقد يؤخذ من قول سم على حج قوله : أو مخلوق بدونها ، يشمل ما لو كان بلون الحشفة وصفتها بأن كان كله بصفة الحشفة فلا يتوقف وجوب الغسل على إدخال جميعه وهو الظاهر ، نعم إن حزز من أسفله بصورة تحزيز الحشفة فينبغي أنه لا بد من إدخال الجميع ا هـ أنه يقدر له حشفة بأن تعتبر نسبة حشفة معتدل ذكر إلى باقيه ويقدر له مثلها ، فإن فرض أن حشفة المعتدل ربع ذكره كان ربع ذكر هذا هو الحشفة .

[ فرع ] قال في العباب : ومن أحس بنزول منيه فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل عليه .

قال في شرحه : حتى لو كان في صلاة أتمها ، وإن حكمنا ببلوغه بذلك أو قطع وهو فيه ولم يخرج من المنفصل كما قاله الإسنوي والبارزي ا هـ .

ولا يخفى إشكال ما قالاه ، والوجه خلافه لأن المني فيه انفصل عن البدن ، ومجرد استتاره بما انفصل معه لا أثر له سم على حج ا هـ وحيث اعتبرت النسبة كانت ضابطة فلعل اعتبارها بيان لما ظهر للفقيه وقرره وإلا فهما متباينان .

[ فرع ] لو أدخل من الذكر المبان الحشفة وجب الغسل ، أو قدرها من الطرف الآخر لم يجب الغسل م ر [ فرع ] ذكر مبان قطعت حشفته سئل م ر عنه فقال بحثا إن أدخل قدر الحشفة من أي الطرفين وجب الغسل ا هـ فليراجع وليحرر .

ثم في مرة قال : ينبغي أن المعتبر جهة موضع الحشفة . أقول : ويؤيد قوله وجب الغسل إطلاق قولهم أو قدرها من فاقدها لشموله كلا من الجهتين ، وقول حج أيضا : ولو ثناه وأدخل قدر الحشفة منه مع وجود الحشفة لم يؤثر وإلا أثر على الوجه .

[ فرع ] لو قطع فرج المرأة بحيث بقي اسمه وأولج فيه ظهر على الفور ، ووافق م ر عليه كذلك أنه لا يجب الغسل إذ لا يسمى جماعا وإن نقض منه فليحرر ، ثم بعد ذلك جوز أنه إذا بقي اسمه وجب الغسل فليحرر .

وقد يوجه بأنا نمنع أنه لا يسمى جماعا ، أو أن الغسل غير منوط بكونه يسمى جماعا بل بما يسمى الإدخال في فرج ثم صمم على أنه لا يجب سم منهج .

أقول : وقياس وجوبه بالذكر المبان وجوبه هنا على المولج لأنه يصدق عليه أنه أولج في فرج ( قوله : والأوجه أنه ) أي الفقيه ( قوله : من بقية الأحكام ) هذا مع قوله قبله متصل أو مقطوع ، [ ص: 214 ] ثم قوله : المتصل أو المنفصل فيهما يدل على وجوب المهر وحصول التحليل بإيلاج الذكر المبان وهو حاصل ما في فتاوى شيخنا الشهاب الرملي ، ولا يخفى أنه في غاية البعد فليراجع .

وقد وقع البحث في ذلك مع ولده فوافق على أنه في غاية البعد سم على حج .

وعبارة حج في شرح العباب نصها : ونقل الإسنوي عن البغوي أنه لا يثبت بالمقطوع نسب وإحصان وتحليل ومهر وعدة ومصاهرة وإبطال إحرام ، ويفارق الغسل بأنه أوسع بابا منها ا هـ .

هذا وقضيته أيضا أنه يجب على من قطع ذكره ثم أولج في فرج الغسل ، وفيه نظر لا يخفى ، والظاهر أنه غير مراد لأنه بانفصاله عنه انقطعت نسبته إليه فلا يتعلق به حكم خلافا لمن وهم فيه فتنبه له .

هذا وقد يحمل ما في شرح المنهاج من قوله ويجري ذلك في سائر الأحكام على أن المراد بالإشارة في قوله ذلك قوله : قبل يعتبر قدرها من مقطوعها أو مخلوق بدونها بدليل قوله عقبه ، ففي الأول يعتبر قول الذاهبة من بقية ذكرها وإن جاوز طولها العادة كما يقتضيه إطلاقهم ، وفي الثاني يعتبر قدر المعتدلة بغالب أمثال ذلك الذكر ، ويؤيد هذا الحمل أيضا ما تقدم عن شرح العباب له مما يخالف ما اقتضاه كلامه هنا من التعميم ( قوله : إن لم يسامت العامل ) لم يذكر هنا حكم ما لو اشتبه أحدهما بالآخر ، وقد سوى حج بينه وبين الأصليين وهو موافق في ذلك لما قدمه الشارح في نواقض الوضوء ، لكن تقدم ثم عن شرح الروض أن النقض لا يكون إلا بهما معا ، فقياسه هنا أن الغسل إنما يكون بإيلاجهما ، ومن ثم توقف سم فيما ذكره حج هنا وقال ما حاصله : القياس أنه إنما يجنب بإيلاجهما معا ا هـ .

وقد يقال محله إذا لم يكن على سمت الأصلي ، فإن كان على سمته اتجه ما قاله حج ، ولعل وجه إطلاقه أن الاشتباه إنما يكون حينئذ ومع هذه الحالة لا وجه إلا وجوب الغسل بإيلاج كل منهما ، لأنه إذا وجب بإيلاج المتميز حيث كان على سمت الأصلي كان وجوبه بإيلاجه حالة الاشتباه أولى ( قوله : تخيرا بين الوضوء ) وينبغي أن يأتي هنا ما يأتي فيما لو احتمل كون الخارج منيا أو وديا ( قوله : والغسل ) وذلك في الواضح ، لأنه إما واجبه الوضوء بخروج ذكر الخنثى من دبره ، أو الغسل بإيلاجه فيه وفي الخنثى ، لأنه إما واجبه الغسل بإيلاجه أو الوضوء باللمس ، وعليه فمحل ذلك في الخنثى حيث لا مانع من النقض بأن لم يكن بينهما محرمية ولا صغر .



حاشية المغربي

[ ص: 212 ] قوله : وشرعا أمر معنوي ) قضيته أن المنع والسبب لا يسميان جنابة ( قوله : وتحصل ) أي للرجل كما قيد به الجلال لقول المصنف الآتي ، والمرأة كرجل [ ص: 213 ] قوله : واعتبار قدر الحشفة إلخ ) عبارة قلقة ، والمراد أنه لا بد من التقدير ، لكن المقدر به يوكل إلى نظر الفقيه هل يعتبر فيه قدر الحشفة المعتدلة أي بالنسبة أو لا يعتبر قدرها بل يعتبر بغيرها ؟ ، والأوجه أنه يعتبر قدرها ( قوله : ويجب الحد بإيلاجها إلخ ) قضية هذا مع ما مر من الغاية في قوله ولو كانت الحشفة أو قدرها من مبان [ ص: 214 ] وجوب هذه المذكورات بالذكر المبان ، وهو حاصل في فتاوى والده .

وقال الشهاب ابن قاسم إنه في غاية البعد لكن سيأتي في العدد تقييد الشارح وجوب العدة بالذكر المتصل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث