الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 144 ] ( وتؤدى في مصر واحد بمواضع كثيرة ) مطلقا [ ص: 145 ] على المذهب وعليه الفتوى شرح المجمع للعيني وإمامة فتح القدير دفعا للحرج ، وعلى المرجوح فالجمعة لمن سبق تحريمة وتفسد بالمعية والاشتباه ، فيصلي بعدها آخر ظهر ، وكل ذلك خلاف المذهب ، فلا يعول عليه كما حرره في البحر . وفي مجمع الأنهر معزيا للمطلب والأحوط نية آخر ظهر أدركت وقته [ ص: 146 ] لأن وجوبه عليه بآخر الوقت فتنبه

التالي السابق


( قوله مطلقا ) أي سواء كان المصر كبيرا أو لا وسواء فصل بين جانبيه نهر كبير [ ص: 145 ] كبغداد أو لا وسواء قطع الجسر أو بقي متصلا وسواء كان التعدد في مسجدين أو أكثر هكذا يفاد من الفتح ، ومقتضاه أنه لا يلزم أن يكون التعدد بقدر الحاجة كما يدل عليه كلام السرخسي الآتي ( قوله على المذهب ) فقد ذكر الإمام السرخسي أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز إقامتها في مصر واحد في مسجدين وأكثر به نأخذ لإطلاق " { لا جمعة إلا في مصر } " شرط المصر فقط ، وبما ذكرنا اندفع ما في البدائع من أن ظاهر الرواية جوازها في موضعين لا في أكثر وعليه الاعتماد ا هـ فإن المذهب الجواز مطلقا بحر ( قوله دفعا للحرج ) لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجا بينا لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين ولم يوجد دليل عدم جواز التعدد بل قضية الضرورة عدم اشتراطه لا سيما إذا كان مصرا كبيرا كمصرنا كما قاله الكمال ط ( قوله وعلى المرجوح ) هو ما مر عن البدائع من عدم الجواز في أكثر من موضعين ( قوله لمن سبق تحريمة ) وقيل يعتبر بالسبق الفراغ ، وقيل بهما ، والأول أصح بحر عن القنية أي أصح عند صاحب القول المرجوح . قال في الحلية وكنت قد راجعت شيخنا يعني الكمال في هذا كتابة فكتب إلي ، وأما السبق فلا شك عندي في اعتباره بالخروج ، وهل يعتبر معه الدخول محل تردد في خاطري لأن سبق كذا هو بتقدم دخول تمامه في الوجود أو بتقدم انقضائه كل محتمل . ا هـ . مطلب في نية آخر ظهر بعد صلاة الجمعة

( قوله فيصلي بعدها آخر ظهر ) تفريعه على المرجوح يفيد أنه على الراجح من جواز التعدد لا يصليها بناء على ما قدمه عن البحر من أنه أفتى بذلك مرارا خوف اعتقاد عدم فريضة الجمعة .

وقال في البحر : إنه لا احتياط في فعلها لأنه العمل بأقوى الدليلين . ا هـ .

أقول : وفيه نظر بل هو الاحتياط بمعنى الخروج عن العهدة بيقين لأن جواز التعدد وإن كان أرجح وأقوى دليلا ، لكن فيه شبهة قوية لأن خلافه مروي عن أبي حنيفة أيضا واختاره الطحاوي والتمرتاشي وصاحب المختار ، وجعله العتابي الأظهر وهو مذهب الشافعي والمشهور عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد كما ذكره المقدسي في رسالته [ نور الشمعة في ظهر الجمعة ] بل قال السبكي من الشافعية إنه قول أكثر العلماء ولا يحفظ عن صحابي ولا تابعي تجويز تعددها ا هـ وقد علمت قول البدائع إنه ظاهر الرواية . وفي شرح المنية عن جوامع الفقه أنه أظهر الروايتين عن الإمام قال في النهر وفي الحاوي القدسي وعليه الفتوى . وفي التكملة للرازي وبه نأخذ ا هـ فهو حينئذ قول معتمد في المذهب لا قول ضعيف ; ولذا قال في شرح المنية الأولى هو الاحتياط لأن الخلاف في جواز التعدد وعدمه قوي ، وكون الصحيح الجواز للضروة للفتوى لا يمنع شرعية الاحتياط للتقوي . ا هـ .

قلت : على أنه لو سلم ضعفه فالخروج عن خلافه أولى فكيف مع خلاف هؤلاء الأئمة ، وفي الحديث المتفق عليه " {فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه } " ولذا قال بعضهم فيمن يقضي صلاة عمره مع أنه لم يفته منها شيء لا يكره لأنه أخذ بالاحتياط . وذكر في القنية أنه أحسن إن كان في صلاته خلاف المجتهدين ويكفينا خلاف من مر

[ ص: 146 ] ونقل المقدسي عن المحيط : كل موضع وقع الشك في كونه مصرا ينبغي لهم أن يصلوا بعد الجمعة أربعا بنية الظهر احتياطا حتى إنه لو لم تقع الجمعة موقعها يخرجون عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر ، ومثله في الكافي وفي القنية لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين فيها مع اختلاف العلماء في جوازهما أمر أئمتهم بالأربع بعدها حتما احتياطا . ا هـ . ونقله كثير من شراح الهداية وغيرها وتداولوه وفي الظهيرية : وأكثر مشايخ بخارى عليه ليخرج عن العهدة بيقين . ثم نقل المقدسي عن الفتح أنه ينبغي أن يصلي أربعا ينوي بها آخر فرض أدركت وقته ولم أؤده إن تردد في كونه مصرا أو تعددت الجمعة ، وذكر مثله عن المحقق ابن جرباش .

قال ثم قال : وفائدته الخروج عن الخلاف المتوهم أو المحقق وإن كان الصحيح صحة التعداد فهي نفع بلا ضرر ثم ذكر ما يوهم عدم فعلها ودفعه بأحسن وجه . وذكر في النهر أنه لا ينبغي التردد في ندبها على القول بجواز التعدد خروجا عن الخلاف ا هـ وفي شرح الباقاني هو الصحيح . وبالجملة فقد ثبت أنه ينبغي الإتيان بهذه الأربع بعد الجمعة ، لكن بقي الكلام في تحقيق أنه واجب أو مندوب

قال المقدسي : ذكر ابن الشحنة عن جده التصريح بالندب ، وبحث فيه بأنه ينبغي أن يكون عند مجرد التوهم ، أما عند قيام الشك والاشتباه في صحة الجمعة فالظاهر الوجوب ، ونقل من شيخه ابن الهمام ما يفيده وبه يعلم أنها هل تجزي عن السنة أم لا ؟ فعند قيام الشك لا وعند عدمه نعم ، ويؤيد التفصيل تعبير التمرتاشي ب لا بد وكلام القنية المذكور ا هـ وتمام تحقيق المقام في رسالة المقدسي وقد ذكر شذرة منها في إمداد الفتاح ، وإنما أطلنا في ذلك لدفع ما يوهمه كلام الشارح تبعا للبحر من عدم فعلها مطلقا .

نعم إن أدى إلى مفسدة لا تفعل جهارا والكلام عند عدمها ولذا قال المقدسي نحن لا نأمر بذلك أمثال هذه العوام بل ندل عليه الخواص ولو بالنسبة إليهم ا هـ والله تعالى أعلم ( قوله لأن وجوبه عليه بآخر الوقت ) قال في الحلية : في هذا التعليل نظر فإن المذهب أن الظهر يجب بزوال الشمس وجوبا موسعا إلى وقت العصر غير أن السبب هو الجزء الذي يتصل به الأداء ، فإن لم يؤد إلى آخر الوقت تعين الجزء الأخير للسببية . ا هـ .

أقول : يمكن أن يجاب بأن قوله : والأحوط نية آخر ظهر أدركت وقته هو أحوط بالنسبة إلى ما إذا نوى آخر ظهر وجب علي أداؤه أو ثبت في ذمتي فإن ذلك لا يفيده لو ظهر عدم صحة الجمعة لأن وجوب أدائه أو ثبوته في ذمته لا يكون إلا في آخر الوقت أو بعده .

نعم لو قال : وجب علي يفيده لأن الوجوب بدخول الوقت بخلاف وجوب الأداء على ما حققه في التوضيح من الفرق بين الوجوب ووجوب الأداء ، لكن الأولى أن يزيد ولم أصله أو ولم أؤده كما مر عن الفتح لأنه إذا كان عليه ظهر فائت وكانت هذه الجمعة صحيحة في نفس الأمر ينصرف ما نوى إلى ما عليه وبدون هذه الزيادة لا ينصرف إليه بل يقع نفلا لأن آخر ظهر أدركه هو ظهر يوم الجمعة لما مر من أن الوقت عندنا للظهر أصالة في يوم الجمعة خلافا لزفر ، وكذا إذا قلنا إن ظهر الجمعة سقط عنه بصلاة الجمعة لأنه يصير آخر ظهر أدركه ظهر يوم الخميس فلا ينصرف إلى ظهر فائت عليه قبله إلا إذا زاد قوله : ولم أصله ولعل الشارح أشار إلى هذا بقوله فتنبه فافهم . [ تتمة ]

قال في شرح المنية الصغير : والأولى أن يصلي بعد الجمعة سنتها ثم الأربع بهذه النية أي نية آخر ظهر أدركته ولم أصله ثم ركعتين سنة الوقت ، فإن صحت الجمعة يكون قد أدى سنتها على وجهها ، وإلا فقد صلى الظهر

[ ص: 147 ] مع سنته وينبغي أن يقرأ السورة مع الفاتحة في هذه الأربع إن لم يكن عليه قضاء فإن وقعت فرضا فالسورة لا تضر وإن وقعت نفلا فقراءة السورة واجبة ا هـ أي وأما إذا كان عليه قضاء فلا يضم السورة لأن هذه الأربع فرض على كل حال .

قلت : وحاصله أنه يصلي بعد الجمعة عشر ركعات أربعا سنتها وأربعا آخر ظهر وركعتين سنة الوقت : أي لاحتمال أن الفرض هو الظهر فتقع الركعتان سنته البعدية . والظاهر أنه يكفي نية آخر ظهر عن الأربع سنة الجمعة إذا صحت الجمعة لأن المعتمد عدم اشتراط التعيين في السنن ، وإن لم تصح فالفرض هو الظهر وتقع الأربع التي صلاها قبل الجمعة عن سنة الظهر القبلية لكن لطول الفصل بصلاة الجمعة وسماع الخطبة يصلي أربعا أخرى فالأولى صلاة العشرة ( قوله فتنبه ) في بعض النسخ قنية وهي صحيحة لأن ما ذكره هو نص عبارة القنية

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث