الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وشرط صحة أدائها نية مقارنة له ) أي للأداء ( ولو ) كانت المقارنة ( حكما ) كما لو دفع بلا نية ثم نوى والمال قائم في يد الفقير ، أو نوى عند الدفع للوكيل ثم دفع الوكيل بلا نية [ ص: 269 ] أو دفعها لذمي ليدفعها لأن المعتبر للفقراء جاز نية الأمر ولذا لو قال هذا تطوع أو عن كفارتي ثم نواه عن الزكاة قبل دفع الوكيل صح ، ولو خلط زكاة موكليه ضمن وكان متبرعا إلا إذا وكله الفقراء وللوكيل أن يدفع لولده الفقير وزوجته لا لنفسه إلا إذا قال : ربها ضعها حيث شئت ، ولو تصدق بدراهم نفسه أجزأ إن كان على نية الرجوع وكانت دراهم الموكل قائمة ( أو مقارنة [ ص: 270 ] بعزل ما وجب ) كله أو بعضه ، ولا يخرج عن العهدة بالعزل بل بالأداء للفقراء ( أو تصدق بكله ) إلا إذا نوى نذرا أو واجبا آخر فيصح ويضمن الزكاة ، ولو تصدق ببعضه لا تسقط حصته عند الثاني خلافا للثالث وأطلقه نعم العين والدين ، حتى لو أبرأ الفقير عن النصاب صح ( وسقط عنه ) . واعلم أن أداء الدين عن الدين والعين عن العين ، وعن الدين يجوز وأداء الدين عن العين ، وعن دين سيقبض [ ص: 271 ] لا يجوز . وحيلة الجواز أن يعطي مديونه الفقير زكاته ثم يأخذها عن دينه ، ولو امتنع المديون مد يده وأخذها لكونه ظفر بجنس حقه ، فإن مانعه رفعه للقاضي ، وحيلة التكفين بها التصدق على فقير ثم هو يكفن فيكون الثواب لهما وكذا في تعمير المسجد ، وتمامه في حيل الأشباه

التالي السابق


( قوله : وشرط صحة أدائها إلخ ) قد علم اشتراط النية من قوله أولا لله تعالى ، لكن ذكرت هنا لبيان تفاصيلها أفاده في البحر ( قوله نية ) أشار إلى أنه لا اعتبار للتسمية ; فلو سماها هبة أو قرضا تجزيه في الأصح ، وإلى أنه لو نوى الزكاة والتطوع وقع عنها عند الثاني لأن نية الفرض أقوى وعند الثالث يقع عنه ، وإلى أنه ليس للفقير أخذها بلا علمه إلا إذا لم يكن في قرابته أو قبيلته أحوج منه فيضمن حكما لا ديانة ، وإلى أن الساعي لو أخذها منه كرها لا يسقط الفرض عنه في الأموال الباطنة ، بخلاف الظاهرة هو المفتى به ، وإلى أنها لا تؤخذ من تركته لفقد النية إلا إذا أوصى فتعتبر من الثلث ، وتمامه في البحر . زاد في الجوهرة : أو تبرع ورثته .

قلت : ولعل وجهه أنهم قائمون مقامه فتكفي نيتهم فتأمل ( قوله مقارنة ) هو الأصل كما في سائر العبادات ، وإنما اكتفي بالنية عند العزل كما سيأتي لأن الدفع يتفرق فيتخرج باستحضار النية عند كل دفع فاكتفى بذلك للحرج بحر ، والمراد مقارنتها للدفع إلى الفقير ، وأما المقارنة للدفع إلى الوكيل فهي من الحكمية كما يأتي ط ( قوله : والمال قائم في يد الفقير ) بخلاف ما إذا نوى بعد هلاكه بحر . وظاهره أن المراد بقيامه في يد الفقير بقاؤه [ ص: 269 ] في ملكه لا اليد الحقيقية ، وأن النية تجزيه مادام في ملك الفقير ، ولو بعد أيام ( قوله أو دفعها لذمي ) نبه على الفرق بين الزكاة والحج لأن الزكاة عبادة مالية محضة ، فتصح فيها إنابة الذمي وإن لم يكن من أهل النية لأن الشرط فيها نية الأمر ، بخلاف الحج لأنه عبادة مركبة من المال والبدن فتشترط فيه أهلية المأمور للنية ( قوله : لأن المعتبر نية الآمر ) علة للمسألتين ( قوله ولذا ) أي لكون المعتبر نية الآمر ( قوله لو قال ) أي عند الدفع إلى الوكيل ( قوله ثم نواه عن الزكاة ) أي ولم يعلم الوكيل بذلك بل دفع إلى الفقير بنية التطوع أو الكفارة ( قوله ضمن وكان متبرعا ) لأنه ملكه بالخلط وصار مؤديا مال نفسه . قال في التتارخانية : إلا إذا وجد الإذن أو أجاز المالكان ا هـ أي أجاز قبل الدفع إلى الفقير ، لما في البحر : لو أدى زكاة غيره بغير أمره فبلغه فأجاز لم يجز لأنها وجدت نفاذا على المتصدق لأنها ملكه ولم يصر تائبا عن غيره فنفذت عليه ا هـ لكن قد يقال : تجزي عن الآمر مطلقا لبقاء الإذن بالدفع . قال في البحر : ولو تصدق عنه بأمره جاز ويرجع بما دفع عند أبي يوسف . وعند محمد لا يرجع إلا بشرط الرجوع ا هـ تأمل ، ثم قال في التتارخانية أو وجدت دلالة الإذن بالخلط كما جرت العادة بالإذن من أرباب الحنطة بخلط ثمن الغلات ; وكذلك المتولي إذا كان في يده أوقيات مختلفة وخلط غلاتها ضمن وكذلك السمسار إذا خلط الأثمان أو البياع إذا خلط الأمتعة يضمن . ا هـ . قال في التجنيس : ولا عرف في حق السماسرة والبياعين بخلط ثمن الغلات والأمتعة ا هـ ويتصل بهذا العالم إذا سأل للفقراء شيئا وخلط يضمن .

قلت : ومقتضاه أنه لو وجد العرف فلا ضمان لوجود الإذن حينئذ دلالة . والظاهر أنه لا بد من علم المالك بهذا العرف ليكون إذنا منه دلالة ( قوله إذا وكله الفقراء ) لأنه كلما قبض شيئا ملكوه وصار خالطا مالهم بعضه ببعض ووقع زكاة عن الدافع ، لكن بشرط أن لا يبلغ المال الذي بيد الوكيل نصابا . فلو بلغه وعلم به الدافع لم يجزه إذا كان الآخذ وكيلا عن الفقير كما في البحر عن الظهيرية .

قلت : وهذا إذا كان الفقير واحدا ، فلو كانوا متعددين لا بد أن يبلغ لكل واحد نصابا لأن ما في يد الوكيل مشترك بينهم ، فإذا كانوا ثلاثة ، وما في يد الوكيل بلغ نصابين لم يصيروا أغنياء فتجزي الزكاة عن الدفع بعده إلى أن يبلغ ثلاثة أنصباء إلا إذا كان وكيلا عن كل واحد بانفراده ، فحينئذ يعتبر لكل واحد نصابه على حدة ، وليس له الخلط بلا إذنهم ; فلو خلط أجزأ عن الدافعين وضمن للموكلين . وأما إذا لم يكن الآخذ وكيلا عنهم فتجزي ، وإن بلغ المقبوض نصبا كثيرة لأنهم لم يملكوا شيئا مما في يده ( قوله : لولده الفقير ) وإذا كان ولدا صغيرا فلا بد من كونه فقيرا أيضا لأن الصغير يعد غنيا بغنى أبيه أفاده ط عن أبي السعود وهذا حيث لم يأمره بالدفع إلى معين ; إذ لو خالف ففيه قولان حكاهما في القنية . وذكر في البحر أن القواعد تشهد للقول بأنه لا يضمن لقولهم : لو نذر التصدق على فلان له أن يتصدق على غيره . ا هـ .

أقول : وفيه نظر لأن تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير غير معتبر في النذر لأن الداخل تحته ما هو قربة ، وهو أصل التصدق دون التعيين فيبطل ، وتلزم القربة كما صرحوا به ، وهنا الوكيل إنما يستفيد التصرف من الموكل وقد أمره بالدفع إلى فلان فلا يملك الدفع إلى غيره كما لو أوصى لزيد بكذا ليس للوصي الدفع إلى غيره فتأمل ( قوله وزوجته ) أي الفقيرة ( قوله ولو تصدق إلخ ) أي الوكيل بدفع الزكاة إذا أمسك دراهم الموكل [ ص: 270 ] ودفع من ماله ليرجع ببدلها في دراهم الموكل صح . بخلاف ما إذا أنفقها أولا على نفسه مثلا ثم دفع من ماله فهو متبرع ، وعلى هذا التفصيل الوكيل بالإنفاق أو بقضاء الدين أو الشراء كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - في الوكالة . وفيه إشارة إلى أنه لا يشترط الدفع من عين مال الزكاة ، ولذا لو أمر غيره بالدفع عنه جاز كما قدمناه ، لكن اختلف فيما إذا دفع من مال آخر خبيث . قال في البحر : وظاهر القنية ترجيح الإجزاء استدلالا بقولهم مسلم له خمر فوكل ذميا فباعها من ذمي فللمسلم صرف ثمنها عن زكاة ماله . [ فرع ]

للوكيل بدفع الزكاة أن يوكل غيره بلا إذن بحر عن الخانية وسيأتي متنافي الوكالة ( قوله بعزل ما وجب ) في نسخة لعزل باللام ، وهي أحسن ليوافق المعطوف عليه ( قوله : ولا يخرج عن العهدة بالعزل ) فلو ضاعت لا تسقط عنه الزكاة ولو مات كانت ميراثا عنه ، بخلاف ما إذا ضاعت في يد الساعي لأن يده كيد الفقراء بحر عن المحيط ( قوله أو تصدق بكله ) بالرفع عطفا على قوله : نية ، وأفاد به سقوط الزكاة ، ولو نوى نفلا أو لم ينو أصلا لأن الواجب جزء منه ، وإنما تشترط النية لدفع المزاحم فلما أدى الكل زالت المزاحمة بحر ( قوله إلا إذا نوى إلخ ) في التعبير بالتصديق إيماء إلى هذا الاستثناء كما في النهر ( قوله فيصح ) أي عما نوى ( قوله : لا تسقط حصته ) أي لا تسقط زكاة ما يتصدق به فتجب زكاته وزكاة الباقي ( قوله : خلافا للثالث ) أشار بذلك تبعا لمتن الملتقى إلى اعتماد قول أبي يوسف ; ولذا قدمه قاضي خان وقد أخره في الهداية مع دليله ، وعادته تأخير المختار عنده على عكس عادة قاضي خان وصاحب الملتقى فافهم .

( قوله : وأطلقه ) أي أطلق التصدق ( قوله حتى إلخ ) تفريع على شموله الدين ح وقيد بالفقير لأنه لو كان غنيا فوهبه بعد الحول ففيه روايتان أصحهما الضمان بحر عن المحيط أي ضمان زكاة ما وهبه لأنه استهلكه بعد الوجوب ( قوله : صح ، وسقط عنه ) أي صح الإبراء وسقط عنه زكاته نوى الزكاة أو لا لما مر ولو أبرأه عن البعض سقط زكاته دون الباقي ، ولو نوى به الأداء عن الباقي بحر ( قوله واعلم إلخ ) المراد بالدين ما كان ثابتا في الذمة من مال الزكاة وبالعين ما كان قائما في ملكه من نقود وعروض ، والقسمة رباعية ; لأن الزكاة إما أن تكون دينا أو عينا ، والمال المزكى كذلك ، لكن الدين إما أن يسقط بالزكاة أو يبقى مستحق القبض بعدها فتصير خمسة فيجوز الأداء في ثلاثة : الأولى أداء الدين عن دين سقط بها كما مثل من إبراء الفقير عن كل النصاب . الثانية أداء العين عن العين كنقد حاضر عن نقد أو عرض حاضر . الثالثة أداء العين عن الدين كنقد حاضر عن نصاب دين . وفي صورتين لا يجوز : [ ص: 271 ] الأولى أداء الدين عن العين كجعله ما في ذمة مديونه زكاة لماله الحاضر ، بخلاف ما إذا أمر فقيرا بقبض دين له على آخر عن زكاة عين عنده فإنه يجوز لأنه عند قبض الفقير يصير عينا فكان عينا عن عين .

الثانية أداء دين عن دين سيقبض كما تقدم عن البحر ، وهو ما لو أبرأ الفقير عن بعض النصاب ناويا به الأداء عن الباقي وعلله بأن الباقي يصير عينا بالقبض فيصير مؤديا بالدين عن العين . ا هـ . ولذا أطلق الشارح الدين أولا عن التقييد بالسقوط ، ولقوله بعده سيقبض ( قوله وحيلة الجواز ) أي فيما إذا كان له دين على معسر ، وأراد أن يجعله زكاة عن عين عنده أو عن دين له على آخر سيقبض ( قوله أن يعطي مديونه إلخ ) قال في الأشباه وهو أفضل من غيره أي لأنه يصير وسيلة إلى براءة ذمة المديون ( قوله لكونه ظفر بجنس حقه ) نقل العلامة البيري في آخر شرح الأشباه أن الدراهم والدنانير جنس واحد في مسألة الظفر ( قوله فإن مانعه إلخ ) والحيلة إذا خاف ذلك ما في الأشباه ، وهو أن يوكل المديون خادم الدائن بقبض الزكاة ثم بقضاء دينه ، فبقبض الوكيل صار ملكا للموكل ، ولا يسلم المال للوكيل إلا في غيبة المديون لاحتمال أن يعزله عن وكالة قضاء دينه حال القبض قبل الدفع . ا هـ . وفيها : إن كان للدائن شريك في الدين يخاف أن يشاركه في المقبوض ، فالحيلة أن يتصدق الدائن بالدين ويهب المديون ما قبضه للدائن فلا مشاركة ( قوله : ثم هو ) أي الفقير يكفن والظاهر أن له أن يخالف أمره لأنه مقتضى صحة التملك كما سيأتي في باب المصرف بحثا ( قوله : فيكون الثواب لهما ) أي ثواب الزكاة للمزكي ، وثواب التكفين للفقير . وقد يقال : إن ثواب التكفين يثبت للمزكي أيضا ، لأن الدال على الخير كفاعله ، وإن اختلف الثواب كما وكيفا ط .

قلت : وأخرج السيوطي في الجامع الصغير { لو مرت الصدقة على يدي مائة لكان لهم من الأجر مثل أجر المبتدئ من غير أن ينقص من أجره شيء } ( قوله وكذا ) الإشارة إلى الحيلة ( قوله وتمامه إلخ ) هو ما قدمناه عن الأشباه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث