الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موجبات الغسل

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : وحيض ونفاس ) أي وفرض الغسل عند حيض ونفاس وقد اختلف رأي المصنف في كتبه هل الموجب الحيض أو انقطاعه فاختار في المستصفى أن الموجب رؤية الدم أو خروجه وعلل بأن الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغسل مع سيلان الدم ; لأنه ينافيه ، فإذا انقطع أمكن الغسل فوجب لأجل ذلك الحدث السابق ، فأما الانقطاع فهو طهارة فلا يوجب الطهارة واختار في الكافي أن الموجب انقطاع الدم لا خروجه ; لأن عنده لا يجب ، وإنما يجب عند الانقطاع ونقل نظيره في المستصفى عن أستاذه وعلل له بأن الخروج منه مستلزم للحيض فقد وجد الاتصال بينهما فصحت الاستعارة وفي غاية البيان هذا والله من عجائب الدنيا ; لأنه إذا كان الخروج ملزوما والحيض لازما يلزم أن يوجد الحيض عند وجود الخروج لاستحالة انفكاك اللازم عن الملزوم ووجود الحيض عند وجوده محال بمرة ا هـ .

أقول : ليس في هذا شيء من العجب وما العجب إلا فهم الكلام على وجه يتوجه عليه الاعتراض ولو فهم أن الخروج من الحيض مستلزم لتقدم الحيض لا لنفس الحيض لاستغنى عن هذا الاعتراض واستبعد الزيلعي كون الانقطاع سببا ; لأنه ليس فيه إلا الطهارة ، ومن المحال أن توجب الطهارة الطهارة ، وإنما توجبها النجاسة ويدفع هذا الاستبعاد بأن الانقطاع نفسه ليس بطهر إنما الطهر الحالة المستمرة عقيبه ولو سلم فلما كان الانقطاع لا بد منه في وجوب الغسل إذ لا فائدة في الغسل بدونه نسبت السببية إليه ، وإن كان السبب في الحقيقة خروج الدم .

والحاصل أنهم اختلفوا هل الغسل يجب بخروج الدم بشرط الانقطاع أو يجب بنفس الانقطاع ورجح بعضهم الثاني بأن الحيض اسم لدم مخصوص والجوهر لا يكون سببا للمعنى والحق غير القولين بل إنما يجب بوجوب الصلاة كما قدمناه في الوضوء والغسل وقد نقل الشيخ سراج الدين الهندي الإجماع على أنه لا يجب الوضوء على المحدث والغسل على الجنب والحائض والنفساء قبل وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا به فحينئذ لا فائدة لهذا الخلاف من جهة الإثم ، فإنهم اتفقوا على عدم الإثم قبل وجوب الصلاة فظهر بهذا ضعف ما نقله في السراج الوهاج من أنه جعل فائدة الخلاف تظهر فيما إذا انقطع الدم بعد طلوع الشمس وأخرت الغسل إلى وقت الظهر فعند الكرخي وعامة [ ص: 64 ] العراقيين تأثم وعند البخاريين لا تأثم

وعلى هذا الخلاف وجوب الوضوء فعند العراقيين يجب الوضوء للحدث وعند البخاريين للصلاة ا هـ .

وقد يقال إن فائدته تظهر في التعاليق كأن يقول إن وجب عليك غسل فأنت طالق وقد ظهر لي فائدة أخرى ، وهي ما إذا استشهدت قبل انقطاع الدم فمن قال السبب نفس الحيض قال إنها تغسل ; لأن الشهادة لا ترفع ما وجب قبل الموت كالجنابة ومن قال إن السبب انقطاعه قال لا تغسل لعدم وجوب الغسل قبل الموت وقد صحح في الهداية في باب الشهيد أنها تغسل فكان تصحيحا لكون السبب الحيض كما لا يخفى ، وأما دليل وجوب الغسل من الحيض والنفاس فالإجماع نقله صاحب البدائع من أئمتنا والنووي في شرح المهذب عن ابن المنذر وابن جرير الطبري واستدل بعضهم للحيض بقوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ووجه الدلالة أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطء ولا يجوز ذلك إلا بالغسل وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت في العشرة بدلالة النص ; لأن وجوب الاغتسال لأجل خروج الدم وقد وجد في العشرة ، فإن قيل إنما وجب الاغتسال فيما دون العشرة لتتأكد به صفة الطهارة عن الحيض وزوال الأذى ليثبت الحل للزوج ولهذا يثبت الحل بمضي وقت صلاة عليها ، وإن لم تغتسل لوجود التأكد بصيرورة الصلاة دينا عليها ، وفي العشرة قد تأكد صفة الطهارة بنفس الانقطاع ، فانعدم المعنى الموجب فلا يمكن الإلحاق بطريق الدلالة كما لا يمكن إثبات الحد باللواطة بمعنى الحرمة لانعدام المعنى الموجب للحد بعد الحرمة ، وهو كثرة الوقوع قلنا ليس كذلك بل المعنى الموجب موجود ; لأنه إما الحدث أو إرادة الصلاة على الخلاف ، وكلاهما ثابت هنا

فأما الفرق الذي يدعيه ، فإنما يثبت إذا كان وجوب الاغتسال لثبوت الحل ، وليس كذلك ألا ترى أنها لو لم تكن ذات زوج وجب عليها الاغتسال مع انعدام المعنى الذي يدعيه ولكنه

وإن وجب بسبب آخر جعل غاية للحرمة فيما دون العشرة ، فإن الحيض به ينتهي فتنتهي الحرمة المبنية عليه فعرفنا بعبارة النص في قراءة التشديد حرمان القربان مغيا إلى الاغتسال فيما دون العشرة وبإشارته وجوب الاغتسال وبدلالته وجوبه في العشرة كذا في معراج الدراية معزيا إلى شيخه العلامة ويدل عليه أيضا حديث فاطمة بنت أبي حبيش { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي } رواه البخاري ومسلم عن عائشة وفي بعض الروايات { فاغسلي عنك الدم وصلي } وفي البدائع ولا نص في النفاس وإنما عرف بالإجماع ثم إجماعهم يجوز أن يكون على خبر في الباب لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالإجماع ويجوز أن يكون بالقياس على دم الحيض لكون كل منهما دما خارجا من الرحم ا هـ .

والمذكور في الأصول أن الإجماع في كل حادثة لا يتوقف على نص على الأصح وفي الكافي للحاكم الشهيد ، وإذا أجنبت المرأة ثم أدركها الحيض ، فإن شاءت اغتسلت ، وإن شاءت أخرت حتى تطهر وعند مالك عليها أن تغتسل بناء على أصله أن الحائض لها أن تقرأ القرآن ففي اغتسالها من الجنابة هذه الفائدة .

[ ص: 64 ]

التالي السابق


[ ص: 64 ] ( قوله : وقد ظهر لي فائدة أخرى إلخ ) قال في النهر ولا بد أن يقيد بما إذا استمر بها ثلاثة أيام أما إذا قتلت قبل إتمامها لا تغسل إجماعا إلا أن هذا قد يعكر على ما سبق عن الهندي فيحمل الاتفاق على وجوب الأداء ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث