الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قلت : أرأيت رجلا له ألف درهم وعليه ألفا درهم دينا وله دار وخادم ثمنهما ألفا درهم أيكون من الغارمين وتحل له الصدقة ؟ فقال : لا ويكون دينه في عروضه وخادمه وداره .

قلت : فإن أدى الألف الذي عنده في [ ص: 343 ] دينه وبقيت عليه الألف ، وبقيت داره وخادمه أيكون من الغارمين والفقراء ؟ فقال : نعم إذا لم يكن في الخادم والدار فضل عن دار تغنيه وخادم يغنيه كان من الغارمين والفقراء .

قلت : وهذا قول مالك ؟

قال : نعم ، قال : وقال مالك : أرى أن يؤثر بالزكاة أهل الحاجة حيث كانوا .

قلت : فهل كان مالك يقول ويرضخ لمن سوى أهل الحاجة من الذين لا يستحقون الزكاة ؟ فقال : ما علمت أنه قال يرضخ لهؤلاء .

قلت : هل يرفع من الزكاة إلى بيت المال شيء في قول مالك ؟

قال : لا ولكن تفرق كلها ولا يرفع منها شيء ، وإن لم يجد من يفرق عليه في موضعها الذي أخذها فيه فأقرب البلدان إليه .

قال ابن القاسم ، ولقد حدثني مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال : كنت مع ابن زرارة باليمامة حين بعثه عمر بن عبد العزيز مصدقا قال : وكتب إليه في أول سنة أن اقسم نصفها ، ثم كتب إليه في السنة الثانية أن اقسمها كلها ولا تحبس منها شيئا ، قال : فقلت لمالك : فالشأن أن تقسم في مواضعها إلا أن تكون كثيرة فيصرفها إلى أقرب المواضع إليه ؟ فقال : نعم .

قال : ولقد بلغني أن طاوسا بعث مصدقا وأعطى رزقه من بيت المال ، قال فوضعه في كوة في منزله ، قال : فلما رجع سألوه أين ما أخذت من الصدقة ؟ قال : قسمته كله ، قالوا : فأين الذي أعطيناك ؟ قال : ها هو ذا في بيتي موضوع في كوة فذهبوا فأخذوه .

قال ابن القاسم ، وبلغني أن عمر بن الخطاب بعث معاذا مصدقا فلم يأت بشيء .

قال مالك : ووجه قسم المال أن ينظر الوالي إلى البلد التي فيها هذا المال ومنها جبي ، فإن كانت البلدان متكافئة في الحال آثر به أهل ذلك البلد فيقسم عليهم ولم يخرج إلى غيرهم ، إلا أن يفضل عنهم فضلة فتخرج إلى غيرهم ، فإن قسم في بلاده آثر الفقراء على الأغنياء ، قال : وإن بلغه عن بعض البلدان حاجة وفاقة نزلت بهم من سنة مستهم أو ذهاب أموالهم وزرعهم وقحط السماء عليهم ، فإن للإمام أن ينظر إلى أهل ذلك البلد الذين جبي فيهم ذلك المال فيعطيهم منه ويخرج جل ذلك المال إلى أهل ذلك البلد الذين أصابتهم الحاجة ، وكذلك بلاد الإسلام ، كلهم حقهم في هذا الفيء واحد ، يحمل هذا الفيء إليهم من غير بلادهم إذا نزلت بهم الحاجة .

قال مالك : والصدقات كذلك كلها في قسمتها مثل ما وصفت لك .

قال أشهب عن مسلم بن خالد الزنجي : إن عطاء بن السائب حدثه عن سعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول في هذه الآية : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها } الآية كلها ، إنما هو علم أعلمه الله ، فإذا أعطيت صنفا من هذه التسمية التي سماها الله أجزأك وإن كان صنفا واحدا . قال أشهب قال الزنجي وحدثني سعيد بن أبي صالح عن ابن عباس ، أنه كان يقول مثل ذلك .

قال ابن وهب عن يونس بن يزيد ، [ ص: 344 ] إنه سأل ابن شهاب عن قول الله : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } . قال : لا نعلمه نسخ من ذلك شيء إنما الصدقات بين من سمى الله ، فأسعدهم بها أكثرهم عددا أو أشدهم حاجة .

قال ابن وهب عن يونس بن يزيد : إنه سأل ابن شهاب عن الصدقة أيستعمل عليها غني أو يخص بها فقير ؟ فقال : لا بأس أن يستعمل عليها من استعمل من أولئك ، ونفقة من استعمل عليها من أولئك في عمله من الصدقة .

قال ابن مهدي عن حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش عن حذيفة قال : إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك .

ابن مهدي عن سليمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال : إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك . قال ابن مهدي عن سفيان عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء مثله قال ابن مهدي عن شعبة عن الحكم ، قال قلت لإبراهيم : أضع زكاة مالي في صنف من هذه الأصناف ؟ قال : نعم . قال ابن مهدي عن إسرائيل بن يونس عن جابر عن الشعبي ، قال : لم يبق من المؤلفة قلوبهم أحد إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا .

قال : وبلغني عن عمر بن عبد العزيز فيمن له الدار والخادم والفرس أن يعطى من الزكاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث