الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قسم خمس الركاز

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قلت لابن القاسم : أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها [ ص: 348 ] عنوة وما صالح عليها أهلها ، ما يصنع بهذا الخراج ؟ قال : قال مالك : هذا جزية ، قال ابن القاسم : والجزية عند مالك فيما يعلم من قوله " فيء كله " .

قلت لابن القاسم : فمن يعطى هذا الفيء وفيمن يوضع ؟

قال : قال مالك : على أهل كل بلد افتتحوها عنوة أو صالحوا عليها هم أحق به يقسم عليهم ، يبدأ بفقرائهم حتى يغنوا ولا يخرج منهم إلى غيرهم ، إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم بعدما يعطى أهلها ، يريد ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد .

قال ابن القاسم ، وكذلك كتب عمر بن الخطاب : لا يخرج في قوم عنهم إلى غيرهم ، ورأيت مالكا يأخذ بالحديث الذي كتب به عمر إلى عمار بن ياسر وصاحبيه إذ ولاهم العراق حين قسم لأحدهم نصف شاة وللآخرين ربعا ربعا ، فكان في كتاب عمر بن الخطاب إليهم : إنما مثلي ومثلكم في هذا المال كما قال الله عز وجل في والي اليتيم : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } .

قال : وسألته عن الرجل يوصي بالنفقة في سبيل الله ، قال : يبدأ بأهل الحاجة الذين في سبيل الله ، قال : وكلمته في غير شيء فرأيت قوله : إنه يبدأ في جميع ذلك بالفقراء . قال ابن القاسم قال مالك : يبدأ بالفقراء في هذا الفيء فإن بقي شيء كان بين الناس كلهم بالسوية ، إلا أن يرى الوالي أن يحسبه لنوائب تنزل به من نوائب أهل الإسلام ، فإن كان ذلك رأيت ذلك له ، قال ابن القاسم : والناس كلهم سواء عربيهم ومولاهم ، وذلك أن مالكا حدثني أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال : يا أيها الناس إني عملت عملا وإن صاحبي عمل عملا ، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس أعلاهم . قال وقال مالك : بلغني أن عمر بن الخطاب قال : ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيا أو راعية بعدن ، قال : ورأيت مالكا يعجبه هذا الحديث .

قال ابن القاسم : وسمعت مالكا يقول : قد يعطي الوالي الرجل المال يجيزه لأمر يراه فيه على وجه الدين أي وجه الدين من الوالي يجيزه لقضاء دينه بجائزة أو لأمر يراه قد استحق الجائزة ، فلا بأس على الوالي بجائزة مثل هذا ولا بأس أن يأخذها هذا الرجل .

قلت لابن القاسم : أيعطى المنفوس من هذا المال ؟

قال : نعم . قال : وأخبرني مالك ، أن عمر بن الخطاب مر ليلة فسمع صبيا يبكي فقال لأهله : ما لكم لا ترضعونه ؟ قال : فقال أهله : إن عمر بن الخطاب لا يفرض للمنفوس حتى يفطم وإنا فطمناه ، قال فولى عمر وهو يقول : كدت والذي نفسي بيده أن أقتله ففرض للمنفوس من ذلك اليوم مائة درهم . قلت لابن القاسم : فإن كان المنفوس والده غنيا أيبدأ بكل منفوس والده فقير ؟

قال : نعم .

قلت له : أفكان يعطي النساء من هذا المال فيما سمعت من مالك ؟

قال : سمعت مالكا يقول : كان عمر بن الخطاب يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك .

قلت [ ص: 349 ] لابن القاسم : ويبدأ بالفقيرة منهن قبل الغنية ؟

قال : نعم .

قلت : أرأيت قول مالك يسوى بين الناس في هذا الفيء الصغير والكبير ، والمرأة والرجل فيه سواء .

قال تفسيره : أنه يعطي كل إنسان قدر ما يغنيه ، الصغير قدر ما يغنيه والكبير قدر ما يغنيه والمرأة قدر ما يغنيها ، هذا تفسير قوله عندي " يسوى بين الناس في هذا المال " .

قلت له : فإن فضل الآن بعدما استغنى أهل الإسلام من هذا المال فضل ؟

قال : ذلك على وجه اجتهاد الإمام إن رأى أن يحبس ما بقي لنوائب أهل الإسلام حبسه ، وإن رأى أن يفرقه على أغنيائهم فرقه وهذا قول مالك .

قلت لابن القاسم : وهذا الفيء حلال للأغنياء ؟

قال : نعم ، قلت : وهذا قول مالك ؟

قال : نعم . ولقد حدثني مالك ، أنه أتي بمال عظيم من بعض النواحي في زمان عمر بن الخطاب ، قال فصب في المسجد فبات عليه جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص يحرسونه ، فلما أصبح كشف عنه أنطاع أو مسوح كانت عليه فلما أصابتها الشمس ائتلقت وكان فيها تيجان ، قال فبكى عمر فقال له عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين : ليس هذا حين بكاء إنما هذا حين شكر ، فقال : إني أقول إنه ما فتح هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم ، ثم قال لابن الأرقم : أرحني منه أي اقسمه فقسمه .

قال ابن القاسم ، وسمعت مالكا يقول قال عمر بن الخطاب لابن الأرقم : اكتب لي الناس ، قال : قد كتبتهم ثم جاءه بالكتاب ، قال : فقال له : هل كتبت الناس ؟ فقال : نعم قد كتبت المهاجرين والأنصار والمهاجرين من العرب والمحررين يعني المعتقين ، قال : ارجع فاكتب فلعلك قد تركت رجلا لم تعرفه ، أراه أن لا يترك أحدا فهذا ما يدلك أن عمر كان يقسم لجميع المسلمين .

قال ابن القاسم : وسمعت مالكا وهو يذكر : أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر في زمان الرمادة . قال فقلنا لمالك : وما زمان الرمادة أكانت سنة أو سنتين ؟ قال : بل سنتين . قال ابن القاسم : بلغني أنها كانت ست سنين . قال : فكتب إليه واغوثاه واغوثاه واغوثاه ، قال فكتب إليه عمرو بن العاص : لبيك لبيك لبيك ، قال : فكان يبعث إليه بالعير عليها الدقيق في العباء ، فكان يقسمها عمر فيدفع الجمل كما هو إلى أهل البيت فيقول لهم : كلوا دقيقه والتحفوا العباء وانتحروا البعير فائتدموا بشحمه وكلوا لحمه . قال ابن القاسم : سمعت مالكا وهو يذكر ، أن رجلا رأى فيما يرى النائم في خلافة أبي بكر : أن القيامة قد قامت وأن الناس قد حشروا ، قال فكأنه ينظر إلى عمر بن الخطاب قد فرع الناس ببسطه ، قال فقلت في منامي . بم فضل عمر بن الخطاب الناس ؟ قال : فقيل لي : بالخلافة وبالشهادة وبأنه لا يخاف في الله لومة [ ص: 350 ] لائم ، قال : فأتى الرجل حين أصبح فإذا أبو بكر وعمر قاعدان جميعا فقص عليهما الرؤيا ، فلما فرغ منها انتهره عمر ثم قال له : قم أحلام نائم فقام الرجل . فلما توفي أبو بكر وولي عمر أرسل إليه ثم قال له : أعد علي الرؤيا التي رأيتها ، قال : أو ما كنت رددتها علي قال : فقال له : أو ما كنت تستحيي أن تذكر فضلي في مجلس أبي بكر وهو قاعد ؟ قال : فقصها الرجل عليه فقال بالخلافة ، قال عمر : هذه أولتهن يريد قد نلتها ، ثم قال : وبالشهادة فقال عمر : وأنى ذلك لي والعرب حولي ، ثم قال بلى وإن الله على ذلك لقادر ، قال : وبأنه لا يخاف في الله لومة لائم ، فقال عمر : والله ما أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من دار الحق فأديره .

قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : اختصم قوم في أرض قرب المدينة فرفعوا ذلك إلى عثمان بن عفان ، قال : فركب معهم عثمان لينظر فيما بينهم ، قال فلما ركب وسار قال له رجل من القوم يا أمير المؤمنين أتركب في أمر قد قضى فيه عمر بن الخطاب ، قال فرد عثمان دابته . وقال مالك : ما كنت لأنظر في أمر قد قضى فيه عمر .

قلت لابن القاسم : هل يجبر الإمام أحدا على أخذ هذا المال إذا أبى أخذه ؟ قال : لا .

قال : وسمعت مالكا يذكر : أن عمر بن الخطاب كان يدعو حكيم بن حزام يعطيه عطاءه ، قال فيأبى ذلك حكيم ويقول : قد تركته على عهد من هو خير منك ، يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول عمر : إني أشهدكم عليه .

قال ابن القاسم : فلم يجبر عمر هذا على أخذ هذا المال .

قال : وسمعت مالكا : إنما تركه حكيم لحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحديث الذي جاء { إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا قالوا : ولا منك يا رسول الله قال : ولا مني } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث