الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه

240 105 - حدثنا محمد، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، سمع سهل بن سعد الساعدي، وسأله الناس ما بيني وبينه أحد: بأي شيء دووي جرح النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما بقي أحد أعلم به مني، كان علي يجيء بترسه فيه ماء، وفاطمة تغسل عن وجهه الدم، فأخذ حصير، فأحرق، فحشي به جرحه.

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

(بيان رجاله) وهم أربعة: الأول محمد هو ابن سلام البيكندي، وكذا جاء في بعض النسخ، وقال أبو علي الجياني : لم ينسبه أحد من الرواة، وهو عندي ابن سلام، وبذلك جزم أبو نعيم في (المستخرج)، ووقع في رواية ابن عساكر : حدثنا محمد، يعني ابن سلام، ورواه ابن ماجه، عن محمد بن الصباح، وهشام بن عمار، عن سفيان به، ورواه الإسماعيلي أيضا، عن محمد بن الصباح، عن سفيان به. الثاني: سفيان بن عيينة . الثالث: أبو حازم بالحاء المهملة، والزاي المكسورة سلمة بن دينار المدني الأعرج الزاهد المخزومي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. الرابع: سهل بن سعد [ ص: 183 ] الساعدي الأنصاري أبو العباس، وكان يسمى حزنا، فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سهلا، روي له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مائة حديث وثمان وثلاثون حديثا، ذكر البخاري تسعة وثلاثين، مات سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السماع، والإسناد رباعي، والرواة ما بين مكي، ومدني.

(بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري ها هنا عن محمد، وفي الجهاد عن علي بن عبد الله، وفي النكاح عن قتيبة، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، وأخرجه الترمذي في الطب، عن ابن أبي عمر، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، وهشام بن عمار، تسعتهم عنه به، ومعنى حديثهم واحد، وقال الترمذي : حسن صحيح.

(ذكر لغته وإعرابه ومعناه) قوله: " الساعدي " بتشديد الياء المنصوبة لأنه صفة سهل، وهو منصوب لأنه مفعول "سمع". قوله: " وسأله الناس "، وفي بعض النسخ: "وسألوه الناس" على لغة أكلوني البراغيث، وهذه جملة من الفعل والفاعل والمفعول، ومحلها النصب على الحال. قوله: " ما بيني وبينه أحد " يعني عند السؤال عنه، قال الكرماني : هي جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، قلت: الجملة المعترضة هي التي تقع بين الكلامين، وليس لها تعلق بأحدهما، وقد تقع في آخر الكلام، ويجوز أن تكون جملة حالية أيضا، ويكون محلها من الإعراب النصب، ولكن وقعت بلا واو، وذو الحال إما مفعول "سأل" فيكونان حالين متداخلتين، وإما مفعول "سمع" فيكونان مترادفتين. قوله: " بأي شيء " الباء فيه تتعلق بقوله: "وسأله"، وكلمة " أي " للاستفهام. قوله: " دووي " بضم الدال وكسر الواو صيغة المجهول من المداواة، وقال بعضهم: حذفت إحدى الواوين في الكتابة، قلت: بالواوين في أكثر النسخ، وفي بعضها بواو واحدة، فحذفت منها إحدى الواوين كما حذفت من داود وطاوس في الخط. قوله: " أعلم " مرفوع؛ لأنه صفة أحد، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، وغرضه من هذا التركيب أنه أعلم الناس بهذه القضية؛ لأن موته تأخر، وكان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة كما صرح به البخاري في النكاح في روايته عن قتيبة، عن سفيان، ومثل هذا التركيب لا يستعمل بحسب العرف إلا عند انتفاء المساوي، وهذا ظاهر، وبهذا يسقط سؤال من قال: لا يلزم منه منافاة مساواة غيره له فيه. قوله: " فأخذ " على صيغة المجهول، وكذلك قوله: "فأحرق فحشي"، وفي رواية البخاري في الطب: "فلما رأت فاطمة رضي الله تعالى عنها الدم تزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصيرة، فأحرقتها، وألصقتها على الجرح فرقي الدم"، وهذه الواقعة كانت بأحد، وزعم ابن سعد عن عتبة بن أبي وقاص : شج النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه، وأصاب رباعيته، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم الدم، والنبي عليه السلام يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ليس لك من الأمر شيء الآية، وزعم السهيلي أن عبد الله بن قمية هو الذي جرح وجهه صلى الله عليه وسلم.

(بيان استنباط الأحكام منه) قال ابن بطال : فيه دليل على جواز مباشرة المرأة أباها، وذوي محارمها، ومداواة أمراضهم، وكذلك قال أبو العالية : امسحوا على رجلي، فإنها مريضة، ولم يخص بعضهم دون بعض، بل عمهم جميعا، وفيه إباحة التداوي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم داوى جرحه، وفيه جواز المداواة بالحصير المحرق؛ لأنه يقطع الدم، وفيه إباحة الاستعانة في المداواة .

وقال النووي : وفيه وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لينالوا جزيل الأجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم، ويأنسوا به، وليعلموا أنهم من البشر يصيبهم محن الدنيا ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر؛ ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن النصارى، وفيه أن المداواة لا تنافي التوكل، وفيه سؤال من لا يعلم عمن يعلم عن أمر خفي عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث